بات من شبه المؤكد أن الجولة الثالثة من المحادثات التمهيدية اللبنانية – الإسرائيلية، التي ستُعقد الأسبوع المقبل في واشنطن، ستتم بمشاركة السفير سيمون كرم، والسفيرة ندى حمادة معوض، ونائب رئيسة البعثة القنصل وسام بطرس، إضافة إلى ممثلين عن الجيش اللبناني.
وتثير هذه التركيبة الموسعة للوفد تساؤلات حول دلالاتها السياسية، وما إذا كانت تعكس مستوى متقدما من الجدية في مقاربة لبنان لهذا المسار التفاوضي، أم أنها لا تزال في إطار الإجراءات الشكلية. كما يطرح هذا التطور علامات استفهام حول الدور العربي، والإصرار على أن تتم هذه المحادثات ضمن سقف إجماع الدول العربية.
وفي المقابل، يبرز سؤال آخر يتعلق بإمكانية عقد لقاء بين الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أو رفض عون لهذا اللقاء، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات، في ظل تباين بين مقاربة لبنانية تشترط تسلسل المفاوضات ثم اللقاء، ومقاربة إسرائيلية تدفع باتجاه عكس ذلك.
وفي قراءة لتلك التطورات، قال النائب الجمهوري السابق وأستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج ماسن، الدكتور ديفيد رمضان، إن توسيع الوفد اللبناني ليضم دبلوماسيين وممثلين عن الجيش يُعد خطوة صغيرة إلى الأمام، لأنه يعني أن لبنان بدأ يتعامل مع الملف بقدر أكبر من الجدية الشكلية والمؤسساتية، إلا أن المشكلة، بحسب تعبيره، تكمن في أن هذه الخطوة لا تزال بطيئة جدا مقارنة بحجم الخطر القائم على الأرض.
وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن لبنان "يقع تحت النار"، وأن الجنوب يُستنزف في ظل استمرار إسرائيل في الضغط العسكري، محذرا من أنه إذا استمر لبنان بهذا الإيقاع البطيء، فقد يصل إلى مفاوضات "جدية" بعد أن يكون جزء كبير من الجنوب، وربما أبعد من الجنوب، قد دُمّر.
ورأى أن المطلوب لا يقتصر على توسيع الوفد، بل يتمثل في اتخاذ قرار سياسي واضح بشأن ما إذا كانت الدولة اللبنانية تريد فعلا إنهاء الحرب، وحصر السلاح، وبسط سلطتها، أم أنها تشتري الوقت وتدير الأزمة كما أدارت أزمات كثيرة سابقة.
وفي ما يتعلق بجدية لبنان في المفاوضات، اعتبر رمضان أن لبنان يبدو جادا في الشكل، لكنه لا يزال غير جاد بما يكفي في الجوهر، مشيرا إلى أن الجدية لا تُقاس بعدد أعضاء الوفد أو بعدد البيانات الصادرة عن الرئاسة والحكومة، بل بالقرار السياسي الفعلي.
وتساءل عما إذا كانت الدولة مستعدة للقول إن الحرب والسلم يجب أن يكونا بيدها وحدها، وما إذا كانت مستعدة لمواجهة حقيقة أن "حزب الله"، وليس الدولة، هو الذي جرّ لبنان إلى هذه الكارثة.
وأشار رمضان إلى أن الحديث عن "مفاوضات داخلية للتوصل إلى بسط سلطة الدولة وحصر السلاح"، كما يرد على لسان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، يُعد استمرارا للغة نفسها التي سمعها اللبنانيون لسنوات، من قبيل الحوار والاستراتيجية الدفاعية والنقاش الوطني واللجان والوعود، في حين أن النتيجة بقيت، وفق قوله، أن "حزب الله" لا يزال مسلحا ويقرر الحرب والسلم، فيما الدولة لا تزال عاجزة.
وشدد على أن الدول لا تبسط سلطتها بالتمنيات والخطب، بل بالقرار والتنفيذ، معتبرا أن لبنان لا يحتاج إلى جولة حوار جديدة بقدر ما يحتاج إلى دولة تتصرف كدولة.
وفي ما خص موقف الرئيس عون من لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رأى رمضان أن المشكلة تكمن في أن الرئيس عون "لا يبدو أنه يفهم كيف يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب".
وأوضح أن ترامب ليس رجل الدبلوماسية التقليدية التي تنتظر سنوات حتى تُحل كل التفاصيل ثم يلتقي القادة في النهاية لالتقاط الصورة، بل إنه يؤمن باللقاء المباشر والمصافحة والصورة السياسية التي تطلق مسارا جديدا، معتبرا أن ترامب يريد لقاء بين عون ونتنياهو لا بوصفه خاتمة لمسار، بل بداية لمسار سلام جدي بين لبنان وإسرائيل.
وأضاف أن اهتمام ترامب بالملف اللبناني محدود زمنيا، موضحا أن الملف كان "على الرف" قبل أن يعيده ترامب إلى الطاولة، واصفا ذلك بأنه فرصة نادرة للبنان.
وحذر رمضان من أن استمرار عون في رفض طلب ترامب أو تجاهله قد يؤدي إلى إغضابه ودفعه إلى إعادة الملف اللبناني إلى الرف مجددا، معتبرا أن الخطر الحقيقي يتمثل في أن لبنان، إذا فقد اهتمام واشنطن، قد يخسر أيضا القيود التي تضعها الولايات المتحدة حاليا على إسرائيل، مثل منع استهداف المطار والطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء والبنية التحتية الحيوية. وأكد أن لبنان لا يملك ترف إضاعة "اللحظة الأميركية".
وفي ما يتعلق بربط لبنان موقفه بسقف الإجماع العربي، اعتبر رمضان أن هذا الطرح يبدو أقرب إلى "ذريعة سياسية" يستخدمها الرئيسان عون وسلام لتأجيل القرار.
وأشار إلى أن معظم الدول العربية الأساسية إما وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل، أو لديها علاقات مباشرة أو غير مباشرة معها، متسائلا: "لماذا يُطلب من لبنان وحده أن ينتظر إجماعا عربيا مثاليا غير موجود عمليا؟".
وأضاف أن لبنان هو الذي يتعرض للنار اليوم ويدفع الثمن، فيما الدول العربية الأخرى ليست تحت القصف كما هو حال لبنان، معتبرا أنه لا يجوز للبنان أن يختبئ خلف "الموقف العربي" بينما تُدمّر قراه، ويُهجّر شعبه، وينهار اقتصاده.
ولفت إلى أن الغطاء العربي مهم، لكنه لا يجب أن يتحول إلى عذر للشلل، داعيا لبنان إلى الاستفادة من الدعم العربي، لا استخدامه لتبرير عدم اتخاذ القرار.
وفي ما يتعلق بمسألة أيهما يجب أن يسبق الآخر، المفاوضات أم لقاء عون ونتنياهو، قال رمضان إن الدبلوماسية التقليدية قد تعتبر أن المفاوضات يجب أن تسبق اللقاءات السياسية، لكن "هذه ليست طريقة ترامب".
وأوضح أن ترامب يرى أن اللقاء قد يكون هو نفسه المدخل إلى المفاوضات الجدية، لأنه يريد "لحظة سياسية كبيرة" تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية لاحقة، معتبرا أن إصرار لبنان على تأجيل اللقاء إلى ما بعد إنجاز كل شيء قد يشكل خطأ استراتيجيا.
ورأى أن الأفضل للبنان هو استثمار اللحظة من خلال الذهاب إلى لقاء مدروس بضمانات أميركية، ورسالة واضحة مفادها أن لبنان يريد وقف الحرب، وانسحاب إسرائيل، وبسط سلطة الدولة، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
وأشار إلى أن عدم عقد اللقاء قد يبدو للبعض موقفا وطنيا، لكنه قد يتحول عمليا إلى خطأ مكلف إذا أدى إلى خسارة اهتمام ترامب، وتحرير يد إسرائيل، وإبقاء لبنان في دائرة النار.
وختم رمضان بالقول إن لبنان يرتكب أخطاء متتالية، إذ يفاوض ببطء، ويتحدث بلغة قديمة عن "الحوار الداخلي"، ويربط قراره بسقف عربي فضفاض، ويرفض فهم طبيعة اللحظة الأميركية وطريقة عمل ترامب.
وعليه، فإن لبنان يحتاج، في هذه المرحلة، إلى مقاربة أكثر وضوحا وفاعلية للخروج من أزماته، بعيدا من إطالة أمد النقاشات واللجان، وتعزيز دور الدولة واتخاذ القرارات الأساسية بصورة حاسمة، كمدخل أساسي لحماية البلاد والاستفادة من أي فرصة دعم دولية متاحة، ولا سيما في ظل الاهتمام الأميركي الحالي بالملف اللبناني.