يواصل حزب الله نهجه التصعيدي في الداخل اللبناني، متجاوزًا كل الضوابط السياسية والوطنية، عبر التمادي في التطاول على مقامي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وإطلاق حملات تخوين ممنهجة تطال رموز الدولة ومؤسساتها.
ولا يكتفي بذلك، بل يسعى مسؤولوه ومناصروه إلى تغذية خطاب تحريضي ذي أبعاد مذهبية وطائفية، ما يضع السلم الأهلي أمام مخاطر جدية ويهدد بتفجير الانقسامات الداخلية.
وقد بلغ هذا المسار ذروته مع التعدي السافر على البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، من خلال تداول صور وشعارات مسيئة تطال شخصه والمقام الروحي الذي يمثله، في سلوك يعكس انحدارًا خطيرًا في الخطاب السياسي ويضرب أسس العيش المشترك في البلاد.
فإلى أين يريد الحزب جر البلد على الصعيد الداخلي بعد تسببه بالدمار الذي لحق به نتيجة حربه العبثية التي افتعلها مع إسرائيل خدمةً للأجندة الإيرانية؟
في هذا السياق، أدان مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية ورئيس مكتب التواصل مع المرجعيات الروحية في الحزب، الإعلامي أنطوان مراد، بشدة الإهانات التي تطال البطريرك الماروني، معتبرًا أن هذا النوع من الخطاب مرفوض من حيث المبدأ، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف سياسي أو إعلامي.
وأكد، عبر منصة "بالعربي"، أن التعرض الشخصي والتجني والإساءات التي تستهدف الأفراد، أياً كانت انتماءاتهم أو توجهاتهم، تشكّل سلوكًا مرفوضًا، حتى في حال وجود خلافات سياسية حادة.
وأوضح مراد أن الرد على الإساءة لا يكون عبر الانحدار إلى مستوى التجريح الشخصي، مشيرًا إلى أن ما تشهده الساحة اللبنانية من حملات منظمة، ولا سيما تلك التي يقودها حزب الله ضد شخصيات سيادية سياسية وروحية، يعكس حالة من الضعف والإرباك داخل الحزب، الذي يسعى، بحسب تعبيره، إلى فتح معارك جانبية لصرف الأنظار عن أزماته وتراجع صدقيته السياسية، سواء على صعيد المواجهات أو على مستوى حضوره العام.
وشدد على أن حزب القوات اللبنانية لم ينتهج يومًا أسلوب التعرض الشخصي، مستشهدًا بسلوك رئيس الحزب سمير جعجع الذي، رغم الخلافات الحادة مع الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، حافظ على خطاب يحترم الأصول، ولم ينزلق إلى الإهانة الشخصية، مستخدمًا بشكل دائم لقب "السيد".
واعتبر أن هذا النهج يعكس تقاليد سياسية لبنانية عريقة تقوم على احترام الخصوم، وهي تقاليد تتعرض اليوم للتآكل نتيجة تصاعد الخطاب التحريضي.
ورأى مراد أن المسؤولية الأساسية عن تدهور المناخ السياسي تقع على حزب الله، الذي يقود، وفق قوله، حملات التخوين والتجريح، ويشرف على توجيهها والاستفادة منها، ما يسهم في تأجيج الانقسامات الداخلية. وأضاف أن هذا السلوك يدفع بعض الأطراف إلى ردود فعل مماثلة، إلا أن ذلك لا يبرر الانزلاق إلى خطاب الكراهية.
وأشار إلى أن الحزب خرج عن قواعد العيش المشترك، ولم يعد يلتزم بأي ضوابط أخلاقية أو سياسية في خطابه، معتبرًا أن استخدام ما وصفه بـ"سلاح التحريض والإهانة" أخطر من السلاح العسكري، لما له من تأثير مباشر على وحدة المجتمع اللبناني واستقراره. ولفت إلى أن هذا النهج يؤدي إلى تعميق الانقسامات، ويقرّب البلاد من مخاطر الفتنة والصدامات الداخلية.
كما انتقد مراد ما اعتبره استهدافًا ممنهجًا لمراجع دينية وسياسية، من بينها رئيسا الجمهورية والحكومة، ومفتي الجمهورية اللبنانية، والبطريرك الماروني، إضافةً إلى أهل السنة في بيروت، معتبرًا أن هذه الإساءات تتعارض مع أبسط قواعد الاحترام والتوازن الوطني، وتضرب أسس العيش المشترك. وأكد أن التمادي في هذا النهج يعكس تحولًا خطيرًا في أداء الحزب، الذي انتقل، بحسب وصفه، من خطاب "المقاومة" إلى خطاب يثير الفتن ويخدم أجندات خارجية.
وختم مراد بالتشديد على أن استمرار هذا المسار لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر والانقسام، داعيًا إلى العودة إلى لغة الحوار والاحترام المتبادل، حفاظًا على الاستقرار الداخلي وصون الوحدة الوطنية.
أمام هذا الواقع، يتضح أن الاستمرار في هذا النهج التصعيدي لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وتهديد ما تبقى من مقومات الاستقرار الداخلي، فيما يمعن الحزب في ضرب مؤسسات الدولة وتقويض أسس العيش المشترك خدمةً لحسابات تتجاوز المصلحة الوطنية. إن هذا المسار يضع لبنان على حافة مزيد من التوتر والفوضى، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل البلاد في ظل سياسات لا تنتج سوى الأزمات والانقسامات.