يتجدد النقاش حول ما يعرف ب "الدولة العميقة"، خصوصا بعد حديث رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع عن الموضوع في مقابلة تلفزيونية، كإطار يستخدم لتفسير تداخل النفوذ داخل مؤسسات الحكم، وحدود تأثيره على صناعة القرار السياسي والإداري في لبنان، في ظل تعقيدات بنيوية تجعل مسار القرار الرسمي محكوما بتوازنات سياسية ومصالح متشابكة تتجاوز أحيانا الأطر المؤسساتية التقليدية.
نشأ مصطلح "الدولة العميقة" أولا في تركيا خلال تسعينيات القرن الماضي، للإشارة إلى شبكات غير معلنة من مجموعات وضباط داخل القوات المسلحة، تولت دورا غير رسمي في حماية الطابع العلماني للدولة التركية التي أسست على يد مصطفى كمال أتاتورك، وفي مواجهة أي تيار أو حزب أو حكومة ينظر إليه على أنه يهدد هذا التوجه، ما ربط المفهوم منذ بداياته بفكرة وجود قوى تتحرك خارج الإطار المؤسسي المعلن.
فما هو مفهوم الدولة العميقة؟
عادة ما يستخدم مفهوم الدولة العميقة لوصف شبكة من النفوذ غير المعلن داخل الدولة، ويشير إلى فكرة وجود سلطة موازية أو غير ظاهرة، تتألف من مراكز قوى سياسية وأمنية وعسكرية وإدارية ومالية، تعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على التأثير في القرارات العامة، وتوجيه مسار المؤسسات، بما يتجاوز أحيانا الأطر الرسمية والآليات الدستورية المعلنة.
في الحالة اللبنانية، يطرح مفهوم "الدولة العميقة" للدلالة على تشابك النفوذ بين مؤسسات الدولة الرسمية، الأمنية منها والإدارية، وبين القوى السياسية وشبكات المصالح المالية والاقتصادية، إلى جانب تأثير غير مباشر لبعض الجهات النافذة. ومن هذا المنطلق، لا ينظر إلى القرار العام على أنه ناتج حصري عن المؤسسات الدستورية الظاهرة، كمجلس الوزراء أو مجلس النواب، بل باعتباره في كثير من الأحيان محكوما أيضا بتوازنات وحسابات تدار بعيدا عن الواجهة الرسمية.
ويظهر هذا النقاش في لبنان عند كل استحقاق سياسي أو إداري أساسي، من تشكيل الحكومات وانتخاب رئيس الجمهورية، إلى التعيينات في المراكز الحساسة، مرورا بالقرارات الاقتصادية والأمنية الكبرى، حيث يتكرر الحديث عن تأثير موازين القوى والتفاهمات غير المعلنة على حساب الآليات الدستورية التقليدية، وأيضا بتعطيل القرارات الحكومية أو إفراغها من مضمونها عبر عدم التنفيذ من قبل بعض الإدارات أو الأجهزة.
كما يبرز هذا الجدل في ملفات القضاء والإدارة العامة، إذ يعتبر كثيرون أن المحاصصة السياسية وتوزيع النفوذ بين القوى المتنافسة أدت على مدى سنوات إلى إضعاف استقلالية المؤسسات، وربط عدد من القرارات بحسابات سياسية أكثر منها إدارية أو قانونية.
وفي هذا السياق، يرى البعض أن "الدولة العميقة" في لبنان لا تتمثل بجهاز موحد أو جهة واحدة، بل بشبكة مصالح متداخلة قادرة على التأثير في القرار العام، كل من موقعه، ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا من النماذج التقليدية المعروفة في دول أخرى.
إلا أن فريقا آخر يعتبر أن استخدام هذا المصطلح في الحالة اللبنانية قد يكون مبالغا فيه أحيانا، لأن ما يحصل لا يرتبط بسلطة خفية بقدر ما يعكس طبيعة النظام السياسي القائم على التسويات والتوازنات وتعدد مراكز القرار.
في المحصلة، لا يبدو مفهوم "الدولة العميقة" في لبنان مجرد توصيف نظري، بل انعكاسا لتعقيد بنية الحكم وتداخل مستويات النفوذ داخل مؤسسات الدولة. وبين قراءة ترى فيه خللا بنيويا في انتظام القرار، وأخرى تعتبره نتيجة طبيعية لنظام سياسي قائم على التوازنات، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى قدرة الدولة اللبنانية على حصر القرار ضمن أطرها الرسمية وحدها في ظل هذا التشابك القائم.