قانون 1955، الذي أرسِي كحجر زاوية في هوية لبنان السيادية تجاه إسرائيل، يجد نفسه اليوم في قفص الاتهام، بين مطالبات بإلغائه تحت شعار "الواقعية الاقتصادية" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبين تمسك به كأحد آخر خطوط الدفاع عن القرار الوطني الحر.
عقود من الزمن، ولا يزال قانون الـ55 يثير الانقسام. هل لا يزال هذا القانون صالحا لزمننا؟ أم أننا نتمسك بنص قانوني وُلد في سياق مختلف، فيما الواقع يتغير من حولنا؟
وفي هذا السياق، أوضح مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس أبعاد هذا القانون وآليات تطبيقه، وما يترتب على إلغائه أو الإبقاء عليه من نتائج قانونية وسياسية. وقال: قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان يُعد قانونا صادرا في العام 1955 في عهد الرئيس كميل شمعون، وقد جاء في إطار التزام لبنان بقرارات جامعة الدول العربية المتعلقة بالمقاطعة الاقتصادية والتجارية لإسرائيل.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن هذا القانون يضع إطارا قانونيا واضحا يهدف إلى منع أي شكل من أشكال التعامل مع إسرائيل، حيث ينص على حظر التبادل التجاري بين لبنان وإسرائيل، ويمنع استيراد أو تصدير أي بضائع من وإلى إسرائيل. كما يفرض القانون حظرا على التعامل مع الأشخاص أو الشركات الإسرائيلية، ولا يقتصر ذلك على الجهات الإسرائيلية المباشرة، بل يمتد ليشمل الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل أيضا. وفي السياق نفسه، يمنع القانون التعاقد أو إبرام أي اتفاقات تجارية مع جهات إسرائيلية، كما يحظر أي شكل من أشكال الاتصال أو التعاون.
وهنا، لا بد من التمييز الدقيق بين هذا القانون وبين قانون العقوبات اللبناني لتفادي أي التباس؛ فبينما يمثل "قانون مقاطعة إسرائيل" (1955) أداة إدارية واقتصادية تخصصية، صُممت كحاجز لمنع أي تبادل تجاري أو علاقات تعاقدية مع الكيان الإسرائيلي، وتتولى تنفيذه وزارة الاقتصاد عبر "لجنة المقاطعة"، يأتي "قانون العقوبات اللبناني" (1943) ليشكل المظلة الجنائية العامة للدولة. فلا يكترث قانون العقوبات بالصفقات التجارية بقدر ما يركز على حماية أمن الدولة من التهديدات الوجودية، مجرما أفعالا مثل التجسس، الخيانة العظمى، أو التعامل الأمني مع العدو؛ وهي جرائم جنائية جسيمة تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة أو الإعدام. بعبارة أخرى، يعمل قانون المقاطعة على منع "التطبيع الاقتصادي"، بينما يتصدى قانون العقوبات لجرائم "الخيانة الأمنية".
وفي هذا الإطار، أوضح جرمانوس أن القانون ينشئ أيضا ما يُعرف بـ "مكتب مقاطعة إسرائيل"، الذي يتولى متابعة تنفيذ الأحكام المنصوص عليها فيه، كما يضطلع بمهمة إصدار لوائح سوداء تتضمن أسماء الشركات المخالفة.
أما على صعيد العقوبات، فقال: القانون ينص على مجموعة من العقوبات الجزائية التي تشمل الحبس والغرامات المالية، إضافة إلى مصادرة البضائع موضوع المخالفة. وبالتالي، يُشكل هذا القانون نظاما قانونيا شاملا للمقاطعة الاقتصادية، ويُستخدم منذ 1992 كأداة سياسية وقانونية تهدف إلى ضبط أي شكل من أشكال التواصل مع الإسرائيليين، سواء داخل الدول العربية أو خارجها.
وعما إذا كان إلغاء قانون المقاطعة يتطلب قرارا سياسيا فقط أم تعديلا تشريعيا في مجلس النواب، أوضح جرمانوس أن إلغاء القانون لا يحصل إلا عبر إصدار قانون جديد، وذلك تطبيقا لمبدأ توازي الصيغ. أما في حال إلغاء القانون، فأوضح أن التعامل التجاري مع إسرائيل يصبح قانونيا، كما هو الحال حاليا مع دول عربية وإقليمية أخرى، مشددا، في الوقت عينه، على أن قرار إلغاء القانون أو الإبقاء عليه يبقى قرارا سياديا لبنانيا بامتياز.
في الختام، يبقى قانون المقاطعة أكثر من مجرد نص قانوني، بل عنوانا لسجال أوسع حول هوية القرار اللبناني وخياراته في مرحلة إقليمية متغيرة. وبين التمسك به أو إعادة النظر فيه، يظل هذا الملف مفتوحا على قراءة سياسية وسيادية تتجاوز الإطار القانوني الضيق.