تتجه الأنظار إلى الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام إلى لوكسمبورغ، حيث التقى وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، وما تبعها من لقاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، في خطوة تعكس محاولة واضحة لإعادة تنشيط الحضور الأوروبي في الملف اللبناني.
وتأتي هذه التحركات في توقيت دقيق، في ظل التطورات المرتبطة بالهدنة، وتفاقم الحاجات الاقتصادية والإنسانية التي يواجهها لبنان، ما يعيد طرح تساؤلات حول مدى قدرة أوروبا على استعادة دورها التقليدي في هذا البلد.
غير أن هذا المسار يصطدم بواقع النفوذ الأميركي الطاغي، الذي يمسك إلى حد كبير بمفاصل التسويات السياسية والأمنية في المنطقة. ومن هنا، يبرز السؤال حول مستقبل الدور الأوروبي عموما، والفرنسي خصوصا، في لبنان، وما إذا كانت واشنطن ستفسح المجال أمام باريس لإعادة إطلاق مبادراتها، أم أن التباينات القائمة بين الطرفين في مقاربة عدد من الملفات اللبنانية ستبقي الدور الفرنسي ضمن حدود ضيقة ومحكومة بالسقف الأميركي.
في هذا الإطار، أوضح الكاتب والمحلل السياسي الصحافي جوني منير أن الدور الأوروبي تجاه لبنان يبقى قائما وأساسيا، على الرغم من أن الأولوية السياسية والاستراتيجية في المنطقة لا تزال للولايات المتحدة الأميركية، لافتا إلى أن الدول الأوروبية تشارك عمليا في قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، كما أن فرنسا مرشحة للاضطلاع بدور محوري في أي قوة دولية متعددة قد تنشأ لاحقا، ما يعكس استمرار الاهتمام الأوروبي بالساحة اللبنانية.
وفي ما يتعلق بالدور الفرنسي تحديدا، اعتبر عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن باريس أبدت امتعاضا واضحا من استبعادها عن الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار، إذ كانت العادة أن تكون فرنسا حاضرة في مثل هذه الترتيبات، موضحا أن زيارة الرئيس سلام إلى الإليزيه تحمل في جانب منها طابعا تعويضيا، يهدف إلى ترميم العلاقة والتأكيد على تمسك لبنان بالدور الفرنسي، على الرغم من تراجع حضور باريس في بعض التفاصيل والقرارات الراهنة.
وقال منير إن النفوذ الأميركي في المنطقة يبقى الأوسع والأكثر تأثيرا، وهو القادر على فرض إيقاع التسويات، سواء في ما يتعلّق باتفاقات وقف إطلاق النار أو بأي مفاوضات مباشرة محتملة بين لبنان وإسرائيل، حيث ستكون هذه المسارات برعاية أميركية بالدرجة الأولى، ما يحد من هامش الدور الفرنسي ويثير انزعاج باريس، وإن كان ذلك خارج إرادة لبنان، مشددا، في سياق متصل، على أنه لا يتوقع صراعا بين الولايات المتحدة وفرنسا على الساحة اللبنانية، إلا أن واشنطن قد تسعى عمليا إلى تقليص الدور الأوروبي، لا سيما الفرنسي، من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.
ومع ذلك، أكد منير أن فرنسا ستبقى متمسكة بلبنان لاعتبارات عدة، أبرزها كونه أحد آخر مواقع نفوذها في المنطقة، إضافة إلى موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، فضلا عن الروابط الثقافية والتعليمية والطبية العميقة التي لا تزال ذات طابع فرنسي واضح، سواء على مستوى المدارس أو الجامعات أو قطاعات أخرى.
ولفت إلى أن هذه العوامل مجتمعة تمنح فرنسا أوراق قوة تتيح لها الحفاظ على حضور مؤثر في لبنان، حتى وإن تراجع دورها في بعض المحطات السياسية الراهنة، مشيرا إلى أن التوازنات الدولية ستبقى العامل الحاسم في تحديد حجم هذا الدور مستقبلًا.
وفي الخلاصة، يبقى لبنان ساحة تقاطع مصالح دولية، حيث يتداخل الحضور الأوروبي مع النفوذ الأميركي، ما يفرض على بيروت إدارة علاقاتها الخارجية بحذر للحفاظ على توازن دقيق يخدم مصالحها الوطنية.