في ظل التطورات السياسية المتسارعة في لبنان والمنطقة، قدّمت الصحافية مريم مجدولين قراءة تحليلية شاملة خلال حلقة من برنامج "حوار الليلة" مع الإعلامي ربيع ياسين عبر منصة "بالعربي"، تناولت فيها أبعاد التصريحات الإيرانية الأخيرة، وتقاطعاتها مع الواقع اللبناني الداخلي، وصولًا إلى مستقبل المواجهة السياسية والأمنية في البلاد.
وفي هذا السياق، اعتبرت مجدولين أن تصريحات مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي عكست، برأيها، رؤية إيرانية تعتبر نموذج الدولة الذي أسسه الرئيس الشهيد رفيق الحريري نموذجًا فاشلًا، لأنه يقوم على الاستقرار وبناء الدولة، وهو ما يتناقض مع نموذج الميليشيات الذي تتبناه طهران. وأشارت إلى أن هذا التوصيف يحمل في طياته رسالة تهديد مبطنة، مفادها أن أي محاولة لبناء دولة مستقلة ستُواجَه، معتبرة أن استهداف نهج الحريري يعكس صراعًا بين مشروعين متناقضين في المنطقة.
وأضافت أن اغتيال رفيق الحريري شكل نقطة تحول مفصلية، إذ أدى إلى إخراج النفوذ السوري من لبنان، لكنه في المقابل فتح الباب أمام حضور إيراني مباشر، جعل من لبنان ساحة صراع بعد أن كان مساحة حوار وانفتاح عربي. ولفتت إلى أن إيران لا تزال تمتلك نفوذًا قويًا في الداخل اللبناني عبر ما وصفته بـ"الدولة العميقة"، ما يمنحها القدرة على التأثير وفرض رسائل سياسية وأمنية.
ورأت مجدولين أن مصلحة إيران اليوم تكمن في الحفاظ على قوة حزب الله، معتبرة أن الحزب لن يتخلى بسهولة عن موقعه، وقد يذهب إلى خيارات غير متوقعة للحفاظ على هذه القوة، خصوصًا في ظل استمرار الحضور الإيراني المباشر، بما في ذلك دور الحرس الثوري في إدارة المعارك من داخل لبنان.
وفي مقاربة لافتة، أشارت إلى وجود نقاط تشابه في الأساليب بين إسرائيل وحزب الله، معتبرة أن الطرفين يتقاطعان في بعض السلوكيات والخطاب، وأنهما يتعلمان من بعضهما البعض في إدارة الصراع، وهو ما يعقّد المشهد أكثر.
وعن المشهد السياسي الراهن، أكدت أن فصل المسار اللبناني عن الإيراني يصب في مصلحة الدولة اللبنانية، معتبرة أن هذا الفصل يعكس تقاطع مصالح مع الولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه لا يعكس بالضرورة موقف حزب الله، الذي لا يمثل، بحسب تعبيرها، الدولة اللبنانية.
وفي ما يتعلق بالتصويب على رئيس الحكومة نواف سلام، رأت مجدولين أنه يُعتبر الحلقة الأضعف التي يمكن استهدافها سياسيًا، مشيرة إلى أن الضغوط عليه تأتي في إطار محاولة خلق عدو داخلي وتحريك الشارع، في وقت يتم فيه التغاضي عن ضغوط أخرى تُمارَس على شخصيات سياسية مثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتعرض بدوره لرسائل تهديد غير مباشرة من إسرائيل.
واعتبرت أن بري يقف أمام مفترق طرق، حيث عليه اتخاذ قرار يحدد موقعه بين الضغوط الإقليمية المتناقضة، مرجحة أن يميل إلى الخيار الذي يحمي بيئته ومصالحه، خصوصًا في ظل إدراكه لتعقيدات المرحلة.
كما حذّرت من إمكانية انزلاق الوضع الداخلي نحو فتنة، معتبرة أن هذا السيناريو قد لا يكون في مصلحة حزب الله، رغم امتلاكه القدرة على التحكم بالشارع، مشيرة إلى أن مشاهد السلاح التي ظهرت في بيروت خلال الإعلان عن وقف إطلاق النار تحمل رسائل واضحة حول حجم القوة الموجودة خارج إطار الدولة، وتطرح تساؤلات جدية حول دور المؤسسات الرسمية.
وفي سياق متصل، شددت على أن الحديث عن "الانتصار" الذي يروج له الحزب لا يجد ترجمته على الأرض، متسائلة عن جدوى هذا الانتصار في ظل الدمار والخسائر، ومؤكدة أن المرحلة الحالية تختلف جذريًا عما كانت عليه بعد حرب عام 2006.
وعن خطاب رئيس الجمهورية، اعتبرت مجدولين أن كلمة "كفى" التي وردت فيه شكلت نقطة تحول، تعكس وصول الدولة إلى حد لم يعد فيه ممكنًا الاستمرار بالنهج السابق، مشددة على أن الدولة مسؤولة عن جميع اللبنانيين، وليس عن فئة دون أخرى.
وفي ما يتعلق ببيروت، رأت أن مؤتمر "بيروت منزوعة السلاح" شكل بارقة أمل، عكس تنوع العاصمة ورغبة أهلها في استعادة الأمن، معتبرة أن المدينة لم تعد تحتمل كلفة السلاح المتفلت، في ظل ارتفاع منسوب القلق والخوف لدى السكان.
وأكدت أن أهالي بيروت باتوا أكثر تمسكًا بالبقاء في منازلهم رغم المخاطر، في تعبير عن رفضهم لتحويل مدينتهم إلى ساحة صراع، مشيرة إلى أن أي تقاعس في تنفيذ الإجراءات الأمنية سيدفع المواطنين إلى التحرك بوسائلهم الخاصة لكشف المخالفات.
وفي تقييمها للمشهد الأمني، استحضرت أحداث "الأربعاء الأسود" وغيرها من المحطات الدامية، معتبرة أن العاصمة دفعت أثمانًا باهظة من دون أن يتم توثيق الضحايا بشكل كافٍ، ما يعكس حجم المأساة التي يعيشها اللبنانيون.
أما بشأن مستقبل المرحلة، فرأت مجدولين أن لبنان يقف أمام احتمالين: إما الانزلاق نحو جولة جديدة من العنف، أو تحقيق خرق سياسي عبر المفاوضات الجارية، معتبرة أن القرار الفعلي لا يزال بيد إيران عبر الحرس الثوري، الذي يتحكم بمسار حزب الله.
وختمت بالإشارة إلى أن لبنان لن يكون جزءًا من المحور الإيراني على المدى الطويل، في ظل غياب الحاضنة الشعبية الواسعة لهذا الخيار، مؤكدة أن مستقبل البلاد سيُحدَّد بناءً على توازنات داخلية وإقليمية لا تزال قيد التشكل.
لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: