April 18, 2026   Beirut  °C
سياسة

ألان سركيس: إسرائيل ستُعيد بناء الجنوب!

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها لبنان على المستويين السياسي والأمني، ومع تصاعد الحديث عن مرحلة جديدة قد تحمل في طياتها مسارًا تفاوضيًا غير مسبوق مع إسرائيل، أطل الصحافي والمحلل السياسي ألان سركيس عبر منصة "بالعربي" ضمن برنامج "حوار الليلة" مع الإعلامي ربيع ياسين، عارضًا قراءة معمقة للمشهد الراهن، وما يعكسه من إعادة تموضع داخلي وتبدل في موازين القوى، في لحظة يصفها بأنها مفصلية في تاريخ القرار اللبناني.

وفي مقاربته لما جرى، رفض سركيس توصيف المرحلة بمنطق "الانتصارات" المتداول، معتبرًا أن القراءة الواقعية تفرض نتيجة مختلفة تمامًا، حيث رأى أن الدولة اللبنانية وحدها خرجت رابحة من هذا المسار، في مقابل فشل إسرائيل في تحقيق نصر كامل نتيجة عدم استكمالها المعركة حتى نهايتها، مقابل ما وصفه بـ"انسحاق"حزب الله ميدانيًا، لا مجرد تراجعه أو هزيمته.


وأشار إلى أن وقف إطلاق النار لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل جاء نتيجة مسار سياسي ودبلوماسي قادته الدولة اللبنانية، برئاسة رئيس الجمهورية جوزاف عون وبالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام، وبمعرفة وغطاء من رئيس مجلس النواب نبيه بري، معتبرًا أن هذا التلاقي السياسي الداخلي، المدعوم بقرار دولي، ولا سيما من الولايات المتحدة، أنتج فرصة استثنائية للبنان لم تكن متاحة سابقًا، وأن ما تحقق يشكل تحولًا نوعيًا في استعادة الدولة لقرارها السيادي.


وفي هذا السياق، توقف سركيس عند مهلة الأيام العشرة التي تلت وقف إطلاق النار، معتبرًا أنها ليست مجرد هدنة تقنية، بل نافذة حاسمة أمام الدولة اللبنانية لإثبات قدرتها على الانتقال من مرحلة التلقي إلى مرحلة الفعل، عبر مسارين متوازيين: سياسي وعسكري.


فعلى المستوى السياسي، شدد على أن لبنان بات أمام استحقاق التفاوض المباشر مع إسرائيل، معتبرًا أن الاستمرار في منطق "الوساطات غير المباشرة" لم يعد مجديًا، وأن المرحلة تفرض مقاربة مختلفة تقوم على مفاوضات "وجهًا لوجه"، على غرار ما حصل سابقًا حين تم تفويض التفاوض بشكل غير مباشر، ولكن مع فارق أساسي يتمثل بوجود غطاء رسمي واضح هذه المرة. واعتبر أن هذا المسار قد يقود إلى اتفاق متقدم، قد يصل إلى مستوى اتفاق 17 أيار أو ما يشبهه، بما يشمل معالجة ملفات الحدود البرية والبحرية، وترسيخ الاستقرار، وصولًا إلى إنهاء حالة النزاع.


ولم يستبعد سركيس أن تتسارع وتيرة هذا المسار، مرجحًا أن تصل المفاوضات إلى مستويات سياسية عليا قد تشمل تواصلًا مباشرًا بين قيادتي البلدين، برعاية دولية، معتبرًا أن ما حصل من اتصالات غير مباشرة عبر الإدارة الأميركية يؤشر إلى أن الحواجز التقليدية بين الطرفين بدأت تتآكل.


أما على المستوى العسكري والأمني، فاعتبر أن التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية يتمثل في فرض سلطتها على الأرض، مشيرًا إلى أن أي حديث عن انتصار الدولة يفقد معناه إذا لم يُترجم بإجراءات عملية، تبدأ بضبط السلاح المتفلت، ولا تنتهي عند مسألة سلاح حزب الله، الذي وصفه بأنه لم يعد يمتلك الفعالية العسكرية السابقة، سواء بسبب الضربات التي تلقاها، أو نتيجة التغيرات الإقليمية التي حدّت من قدرته على صإعادة التموضع.


وشدد على أن الدولة أمام اختبار حقيقي خلال هذه المرحلة، يتمثل في قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة، بدءًا من ضبط الأمن الداخلي ومنع الاستعراضات المسلحة، وصولًا إلى تنفيذ التزاماتها الدولية، محذرًا من أن أي تردد أو تساهل سيعيد خلط الأوراق ويضع لبنان أمام خطر فقدان الثقة الدولية.


وفي قراءته للمشهد الإقليمي، اعتبر سركيس أن التحولات لا تقتصر على الداخل اللبناني، بل ترتبط بسياق أوسع يتمثل في تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، نتيجة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، مشيرًا إلى أن لبنان كان يشكل إحدى أبرز أوراق هذا النفوذ، وأن ما جرى مؤخرًا يعكس بداية سحب هذه الورقة، ما يفتح الباب أمام إعادة رسم التوازنات الإقليمية.


وانطلاقًا من ذلك، رأى أن حزب الله لم يعد يمتلك القدرة نفسها على فرض معادلاته كما في السابق، لا سيما في ظل تراجع الغطاء الإقليمي، وتبدل المزاج الداخلي، حيث أشار إلى أن مختلف المكونات السياسية اللبنانية، بما فيها شرائح واسعة داخل البيئة الشيعية، باتت تميل إلى خيار الدولة والاستقرار، بعدما دفعت أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية.


وفي هذا الإطار، توقف عند مشهد إطلاق النار في الضاحية الجنوبية عقب إعلان "الانتصار"، معتبرًا أنه لا يمكن فصله عن رسائل سياسية داخلية، لافتًا إلى أن هذا السلوك يعكس توترات داخل البيئة الحاضنة، وربما مؤشرات على تباينات بين القوى الشيعية نفسها، خصوصًا بين حزب الله وحركة أمل، ما قد يفتح الباب أمام تعقيدات إضافية في المرحلة المقبلة.


كما تطرق إلى واقع الساحة اللبنانية بمختلف مكوناتها، معتبرًا أن التوازنات تغيّرت بشكل واضح، حيث لم يعد هناك غطاء مسيحي أو سني أو درزي فعلي لأي مشروع خارج إطار الدولة، مشيرًا إلى أن غالبية القوى السياسية باتت تدرك أن المرحلة تفرض العودة إلى منطق الدولة والمؤسسات.


وفي ما يتعلق بمستقبل الجنوب، شدد سركيس على أن الحديث عن نوايا إسرائيلية لاحتلال المنطقة لا يستند إلى معطيات واقعية، معتبرًا أن الهدف الأساسي يتمثل في ضمان الأمن والاستقرار، وليس السيطرة المباشرة. لكنه أشار في المقابل إلى أن إعادة إعمار الجنوب ستكون مرتبطة بشروط جديدة، في مقدمتها نزع السلاح وتحويل المنطقة إلى مساحة آمنة، ما قد يفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية واستثمارات إسرائيلية_أميركية_شيعية، وربما تحول الجنوب إلى منطقة حيوية اقتصاديًا في المرحلة المقبلة.


ورأى أن هذا التحول، في حال تحقق، سيغير وجه المنطقة بشكل جذري، مشيرًا إلى أن عودة السكان إلى الجنوب ستكون مرتبطة بهذه المعادلة الجديدة، التي تقوم على الأمن والاستقرار بدل المواجهة الدائمة.


وفي ختام قراءته، اعتبر سركيس أن لبنان يتجه نحو مرحلة جديدة قد تبدأ باتفاق سلام، وربما تتطور لاحقًا إلى شكل من أشكال التطبيع، ولو على مراحل، مشيرًا إلى أن هذا المسار لم يعد مستبعدًا كما في السابق، بل بات مرتبطًا بسرعة التحولات الإقليمية والدولية، وبمدى قدرة الدولة اللبنانية على تثبيت سيادتها واستعادة قرارها، مؤكدًا أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية، إما أن ينجح لبنان في استثمارها، أو أن يفوت مرة جديدة فرصة الخروج من أزماته المتراكمة.


لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: