في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عادت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة، لكن هذه المرة في ظل تصعيد عسكري وضغط ميداني واضح. مفاوضات تُعقد برعاية أميركية وتُقدَّم كنافذة محتملة لخفض التوتر، لكنها تحصل وسط اختلال واضح في موازين القوى. تدخل إسرائيل طاولة التفاوض من موقع القوة، مؤكدة تمسكها بالتفاوض "تحت النار"، فيما يركز لبنان على أولوية وقف الهجمات وإلزام إسرائيل بالقانون الدولي. وبين هذين الموقفين، تتحرك واشنطن كوسيط يسعى إلى استثمار اللحظة السياسية لإطلاق مسار أوسع يعزّز دور الدولة اللبنانية أمنيا وسياسيا.
لكن السؤال يبقى: كيف يمكن للبنان أن يصل إلى اتفاق متوازن وهو يفاوض تحت ضغط عسكري مباشر؟ وهل يهدف هذا الأسلوب الإسرائيلي إلى انتزاع تنازلات سياسية "بحد السيف"؟
في هذا السياق، رأى العميد الركن الطيار المتقاعد أندره بومعشر أنه لا يمكن، من حيث المبدأ، الوصول إلى اتفاق متوازن في ظل استمرار الضغط العسكري المباشر. فالتفاوض تحت النار لا يكون مسارا بين إرادتين متكافئتين، بل يتحول إلى عملية تحكمها موازين القوى الميدانية، حيث تُستخدم الوقائع العسكرية كأداة لفرض شروط سياسية. وقال إنّ الضغط العسكري لا يُوظّف فقط لتحقيق أهداف ميدانية، بل أيضا لخلق بيئة تفاوضية ضاغطة تسمح بانتزاع تنازلات تحت الإكراه. غير أن هذا النوع من التفاوض، حتى وإن أفضى إلى ترتيبات مرحلية، يبقى هشا، لأن ما يُفرض بالقوة لا يتحول بالضرورة إلى تسوية مستدامة وقابلة للاستمرار.
وعما إذا كان الجيش اللبناني، بتركيبته وتوازناته الحالية، قادر على القيام بهذه المهمة من دون تهديد السلم الأهلي أو مواجهة انقسام داخلي، فأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الجيش اللبناني يشكّل الركيزة الوطنية الأكثر تماسكا في البلاد، غير أن قدرته على تنفيذ مهام استراتيجية تبقى مرتبطة بالسياق السياسي العام، مشيرا إلى أن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تتحمّل وحدها عبء إعادة تنظيم الواقع الأمني أو معالجة مسألة السلاح من دون غطاء سياسي وطني جامع. فنجاح أي دور من هذا النوع يتطلب قرارا وطنيا واضحا، وتنفيذا تدريجيا ومدروسا، إضافة إلى مواكبة خارجية تساعد على ضمان الاستقرار.
وفي غياب هذه الشروط، يحذر بومعشر من أن خطر الانقسام الداخلي يبقى قائما، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على السلم الأهلي ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي.
وعما إذا كان لبنان "لا يمتلك أوراق قوة" في المفاوضات، وما إذا كان الميدان لا يزال يشكّل ورقة ضغط غير مباشرة أم أن الواقع السياسي فرض شروطا أقرب إلى الاستسلام، فاعتبر بومعشر أن هذا الطرح يعكس فهما ضيقا لمفهوم القوة، موضحا أن لبنان، على الرغم من محدودية قدراته العسكرية، يمتلك عناصر قوة بنيوية لا يمكن تجاهلها. أولها شرعية الدولة واستمراريتها، إذ إن الحفاظ على الكيان اللبناني يشكّل مصلحة دولية، لأن البديل هو الفراغ والفوضى، ما يمنح لبنان وزنا تفاوضيا غير مباشر. وثانيها الإمكانات الاقتصادية، لا سيما في ملف الغاز، والتي يمكن أن تتحول إلى عنصر تأثير إذا أُحسن توظيفها ضمن رؤية سيادية واضحة تربط الاستقرار اللبناني بمصالح اقتصادية أوسع. وثالثها خصوصية لبنان كنموذج للتعددية والتعايش، وهي قيمة سياسية وثقافية تمنحه مكانة خاصة، حيث يُنظر إلى استقراره كحفاظ على صيغة نادرة في المنطقة.
أما في ما يخص الميدان، فاعتبر أنّه عامل ضغط قائم بذاته، لكنه ذو أثر مزدوج؛ إذ قد يفرض نفسه في المعادلة، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة النزاع على الدولة. وبالتالي، لا يرى أن لبنان يفتقر إلى أوراق قوة بقدر ما يواجه تحديا في إدارة هذه الأوراق وتوظيفها ضمن رؤية سياسية متكاملة.
أما عما إذا كانت الرعاية الأميركية تهدف فعلا إلى تعزيز سيادة لبنان واحتكار الدولة للسلاح، أم أن الهدف الأساسي يتمثل في تقليص نفوذ إيران في المنطقة ضمن صراع أوسع، فأشار بومعشر إلى أنه لا يمكن فصل البعد اللبناني عن الإطار الإقليمي الأشمل. فواشنطن تنظر إلى لبنان ضمن سياق إعادة توازن النفوذ في المنطقة، لا سيما في ما يتعلق بالعلاقة مع إيران ودورها الإقليمي. وعليه، فإن الحديث عن سيادة الدولة واحتكار السلاح يشكّل جزءا من المقاربة الأميركية، لكنه يتقاطع في الوقت نفسه مع أهداف أوسع ترتبط بإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في الإقليم.
وقال: لا يُنظر إلى لبنان كملف منفصل بحد ذاته، بل كجزء من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها المصالح المحلية مع الحسابات الدولية. ومع الاتفاق على جولات تفاوضية مقبلة، يبرز سؤال أساسي حول ما إذا كان التباعد الكبير بين سقف المطالب الإسرائيلية، المتمثل بنزع السلاح، والمطالب اللبنانية، المرتكزة على وقف إطلاق النار وتعزيز السيادة، يسمح بإنتاج حل مستدام، أم أن المسار سيبقى في دائرة "مفاوضات من أجل التفاوض".
ومن هنا، أوضح بومعشر أن الفجوة بين المطالب تعكس اختلافا عميقا في الأولويات، إذ تركز إسرائيل على نزع السلاح، فيما يركز لبنان على وقف إطلاق النار وتثبيت السيادة، معتبرا أنه في ظل هذا التباعد، من المرجح استمرار مسار تفاوضي طويل يُنتج تهدئات مرحلية من دون حل جذري سريع. إلا أن هذا الواقع قد يتغيّر في حال حدوث خرق في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، إذ إن أي تفاهم إقليمي أوسع سينعكس حكما على الساحة اللبنانية، وقد يفتح المجال أمام انتقال التفاوض من إدارة الأزمة إلى معالجتها.
وعند سؤاله عن مبادرة سعودية في الأفق لوقف الحرب في لبنان، وما إذا كانت قابلة للتبلور وما هو دور المملكة العربية السعودية، فلفت إلى أنه في حال تبلورت هذه المبادرة، فإن دور المملكة العربية السعودية يتجاوز التهدئة السياسية إلى موقع أكثر تقدما يتمثل في الضمانة لإعادة الإعمار ورعاية مسار التعافي الاقتصادي.
وقال: يبقى هذا الدور مشروطا بتوافر بيئة داخلية قائمة على دولة القانون والمؤسسات، وتثبيت حصرية السلاح ضمن إطار الشرعية. فالمملكة تنطلق من مقاربة تربط بين الاستقرار الأمني والتعافي الاقتصادي، وترى أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تستدام في ظل غياب هذه الشروط. وعليه، يقوم الدور السعودي على معادلة واضحة قوامها دعم إعادة الإعمار مقابل تثبيت الدولة وسيادتها، ما يجعله عنصرا أساسيا في الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الاستقرار.
في الختام، يقف لبنان اليوم عند تقاطع معقّد بين الضغوط العسكرية والتجاذبات السياسية والتوازنات الإقليمية. ولا يمكن مقاربة مستقبله من زاوية الضعف فقط، بل من خلال إعادة تفعيل عناصر القوة التي يمتلكها. كما أن أي مسار تفاوضي جدي يبقى مرتبطا بالتطورات الإقليمية، لا سيما بمسار العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، إذ إن أي تقدّم في هذا الإطار قد يشكّل مدخلا لانفراج أوسع. إن التحدي الأساسي لا يكمن في غياب الفرص، بل في القدرة على تحويل عناصر القوة الكامنة إلى أدوات تأثير فعلي ضمن مسار سياسي متكامل.