ماذا سيكون عليه رد فعل حزب الله ومن ورائه إيران في حال توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق شامل خلال المرحلة المقبلة؟ سؤال يطرح نفسه بقوة في ظل التحولات المتسارعة، وسط مخاوف من أن يلجأ الطرفان إلى التصعيد ومحاولة تفجير الوضع الداخلي، أو أن يضطرا إلى التكيف مع واقع سياسي جديد يفرض معادلات مختلفة على الساحة اللبنانية.
في هذا الإطار، أشار الكاتب والمحلل السياسي أحمد عياش إلى أن الجلسة التمهيدية تمثل بداية مسار تفاوضي دخل حيز الواقع، معتبرا أن لبنان بدأ فعليا يعيش مرحلة جديدة عنوانها انطلاق المفاوضات، على الرغم من الاعتراضات التي يبديها حزب الله على المستويين الميداني والسياسي.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه الاعتراضات، على الرغم من حدتها، لم تصل إلى مستوى تعطيل المسار التفاوضي، ما يعكس تحولا مهما في المشهد الداخلي، لافتا إلى أنّ هذا المسار لن يؤدي إلى نتائج فورية تقلب الأوضاع رأسا على عقب، بل هو عملية طويلة ومعقدة تتداخل فيها أهداف كبرى، من بينها تحرير الأرض والأسرى، واستعادة الدولة اللبنانية زمام المبادرة، وصولا إلى احتكار السلاح بيد الدولة، وهو ما يعني عمليا إنهاء المشروع المسلح للحزب.
وأشار عياش إلى أن إسرائيل تضع هذا الهدف في صلب أولوياتها، وتسعى إلى تحقيقه وفق رؤيتها الخاصة، لا سيما من خلال العمليات العسكرية المستمرة في جنوب لبنان، في حين أن لبنان الرسمي يسعى إلى مقاربة مختلفة تستند إلى استعادة السيادة بشكل تدريجي ومتوازن. وبين هذين المسارين، تبرز الولايات المتحدة الأميركية كضامن أساسي لهذا المسار التفاوضي، حيث تلعب دورا محوريا في رعايته ومواكبته.
وفي سياق متصل، حذر من المبالغة في التوقعات، مشددا على أن لبنان لا يزال في بداية طريق طويل وشاق، وأن المشهد يبقى مفتوحا على احتمالات عدّة، في ظل استمرار المواجهات وتصاعد التوترات. واعتبر أن المفاوضات تمثل في الحد الأدنى محاولة لمواجهة الكارثة الكبرى التي يعيشها لبنان، في ظل تداعيات الحرب المستمرة.
وعلى صعيد الوضع الميداني، لفت عياش إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، على الرغم من استمرارها جنوبا حتى مع انطلاق المفاوضات، إلا أن رفع الضغط عن بيروت يشكل إنجازا أوليا، مشيرا إلى أن ما وصفه بـ "الأربعاء الأسود" شكل نقطة تحول دفعت الولايات المتحدة إلى التدخل لخفض التصعيد عن العاصمة وضاحيتها.
واعتبر أن استمرار تمسك الحزب بسلاحه يعكس قرارا مرتبطا بإيران، التي لا تزال تدير هذا الملف ضمن استراتيجيتها الإقليمية، لا سيما عبر ارتباط الحزب بهياكل عسكرية تابعة لها، مشددا، في هذا الإطار، على أن الحديث عن حزب الله لا يمكن فصله عن الدور الإيراني في لبنان. وقال إنّ الحزب يمثل امتدادا مباشرا لهذا النفوذ، ما يجعل من الصعب التعويل على تغيير في سلوكه بمعزل عن قرار إيراني.
أضاف عياش إنّ هذا الواقع يضع لبنان أمام تحديات كبيرة، في ظل استمرار هذا الارتباط وتأثيره على السيادة الوطنية.
وفي المقابل، رأى أن الدولة اللبنانية لا تزال تملك فرصة لتعزيز حضورها وتوسيع نفوذها، معتبرا أن تقدم المفاوضات قد يساهم تدريجيا في تقليص المخاوف وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، بما يتيح لها أن تكون المرجعية الأساسية في البلاد.
وشدد عياش على أن المرحلة الراهنة تتطلب قراءة واقعية بعيدة عن الأوهام، معتبرا أنّ الحلول لن تكون سهلة أو سريعة، وأن لبنان يحتاج إلى مسار طويل من العمل السياسي والدبلوماسي للخروج من أزمته.
بناء على ما تقدم، تبدو الدولة اللبنانية اليوم أمام اختبار حاسم يفرض عليها أن تثبت حضورها كمرجعية وحيدة للقرار الوطني، وأن تؤكد أن الملف اللبناني قد أصبح منفصلا بشكل تام عن أي تجاذبات إقليمية، لا سيما عن نفوذ إيران، بما يسهم في وضع حد لتدخلاتها في الشؤون الداخلية، ويفتح المجال أمام استعادة السيادة وبناء مسار وطني مستقل.