بعد انعقاد الجلسة التمهيدية للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في نيويورك، يطرح المشهد السياسي تساؤلات حول شكل المرحلة المقبلة من هذا المسار التفاوضي وما يمكن أن تسفر عنه من تطورات في ظل استمرار حالة الرفض والتعنت من جانب حزب الله، وإصراره على عدم تسليم سلاحه، وما يترتب على ذلك من تعقيدات داخلية قد تلقي بظلالها على مجمل مسار المفاوضات ومستقبلها.
في هذا السياق، أفاد الباحث في جيوسياسية الشرق الأوسط الدكتور فادي الأحمر في قراءة تحليلية بأن المرحلة المقبلة من هذا المسار التفاوضي ستتسم بسلسلة من الخطوات المتتابعة، وليس بلقاء واحد معزول، مشيرا إلى أن المعطيات الحالية تؤكد أن ما حصل ليس نهاية المسار بل بدايته.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن التصريحات الصادرة في اليوم السابق، والتي أشارت إلى أن لقاءات أخرى ستعقد في وقت لاحق مع تحديد الزمان والمكان لاحقا، تعكس بوضوح أن هذه الجولة التمهيدية ستتبعها جولات إضافية، معتبرا أن ذلك يدل على أن المسار التفاوضي دخل مرحلة التأسيس الإجرائي، وليس مجرد تواصل دبلوماسي عابر.
وفي سياق تقييمه للخطوة اللبنانية، رأى الأحمر أن الدولة اللبنانية، ممثلة برئاستها وحكومتها، قامت بخطوة وصفها بالجريئة جدا من خلال الذهاب نحو خيار التفاوض مع إسرائيل، مشيرا إلى أن هذا التحول بدأ عندما أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون الاستعداد للدخول في مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، في إطار معالجة الملفات العالقة.
وقال إنّ الجانب الإسرائيلي، من جهته، كان قد أبدى في مراحل سابقة رفضا متكررا لفكرة التفاوض، إلا أنه عاد وقبل بالجلوس إلى طاولة الحوار في المرحلة الراهنة، نتيجة تغيرات في البيئة الجيوسياسية الإقليمية بعد الحرب على إيران، إضافة إلى الضغوط الأمريكية المتزايدة على تل أبيب للانخراط في مسار تفاوضي مع لبنان، مشيرا إلى أن ما يحصل اليوم يتمثل في محاولة وضع إطار عام للمفاوضات، قبل الدخول في تفاصيل الملفات الأساسية. واعتبر أن هذه المرحلة التمهيدية تهدف إلى تحديد قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي للمسار المقبل، وليس الوصول الفوري إلى اتفاق نهائي.
وفي ما يتعلق بموقف حزب الله واحتمال استمراره في رفض هذا المسار، أوضح الأحمر أن الحزب أعلن بشكل واضح، على لسان أمينه العام نعيم قاسم، رفضه المطلق لهذه المفاوضات إلى حد تخوينه العهد والحكومة، معتبرا أن ما يحصل لا يعبر عن تفويض سياسي شرعي أو عن توافق داخلي شامل، بل يأتي في سياق قرارات حكومية لا يراها ملزمة له سياسيا أو استراتيجيا.
إلا أنه شدد، في المقابل، على أن هذا الرفض، مهما كان حادا في الخطاب السياسي، لن يكون قادرا على وقف مسار المفاوضات إذا ما استمر الزخم الدولي والإقليمي الداعم له، مشيرا إلى أن التجربة الإقليمية، خصوصا في الحالة الإيرانية، تظهر أن طهران نفسها دخلت في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو ما يعكس تغيرا في طبيعة التفاعلات السياسية حتى بين أطراف متخاصمة تقليديا.
وقال الأحمر إنّ هذا الواقع يطرح تساؤلات داخلية حول إمكانِ منع لبنان من الدخول في مسار تفاوضي في حين أن الطرف الإيراني يجلس إلى طاولة الحوار مع الولايات المتحدة، على التناقضات الحادة في المواقف، معتبرا أنّ ميزان القوى الحالي لا يسمح بتعطيل كامل للمسار التفاوضي، حتى لو بقيت بعض الأطراف الداخلية على مواقفها الرافضة. وأكد أنّ الملف اللبناني قد فصل بشكل كامل عن الملف الإيراني.
وفي ما يخص السيناريوهات المستقبلية، أوضح أنه من المبكر الحديث عن اتفاق سلام شامل، مشيرا إلى أن المرحلة الحالية لا تزال في إطار اختبار النوايا وتثبيت قواعد التفاوض.
ولفت الأحمر إلى أن الاحتمال الأقرب هو الذهاب نحو اتفاقات مرحلية أو تفاهمات هدنة طويلة الأمد، بدلا من اتفاق سلام نهائي في المدى القريب، مشيرا إلى أنّ أي مسار تفاوضي سيوازيه استمرار في الضغوط الميدانية والسياسية، بما في ذلك الضغط على حزب الله بشكل مباشر أو غير مباشر، بهدف إعادة تشكيل التوازنات الداخلية اللبنانية بما يتيح لاحقا الوصول إلى تسويات أوسع.
ورأى أن إسرائيل قد تسعى إلى استخدام بعض الأدوات الميدانية كوسائل ضغط خلال التفاوض، إلا أن ذلك لن يلغي الحاجة إلى مسار سياسي مع الحكومة اللبنانية، التي، بحسب تعبيره، لن تدخل في عملية استسلام سياسي، بل ستسعى إلى التفاوض انطلاقا من ورقة مطالب تتضمن شروطا وخطوطا حمراء، إضافة إلى حد أدنى من التنازلات المتبادلة بين الطرفين.
وفي سياق متصل، اعتبر الأحمر أن ما يسمى بتحييد بعض المناطق، مثل الضاحية الجنوبية لبيروت أو أجزاء من العاصمة، قد يستمر بشكل مرحلي، إلا أن ذلك سيبقى مرتبطا بشكل مباشر بمسار المفاوضات وتطورها، لافتا إلى أن إسرائيل قد تستخدم هذا الملف كورقة ضغط تفاوضية إضافية.
وقال إنّ الواقع الحالي يعكس مفارقة تاريخية، إذ إن لبنان يدخل في مسار تفاوضي مع إسرائيل في لحظة ضعف داخلي وإقليمي، بعد سنوات كانت فيها موازين القوى مختلفة تماما، معتبرا أن ذلك يشكل أحد أبرز تداعيات المرحلة الراهنة التي أوصلنا إليها الحزب.
في الخلاصة، تعكس هذه القراءة أن مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل لا يزال في بداياته التمهيدية، وسط تداخل معقد بين الاعتبارات الداخلية والإقليمية والدولية، ما يجعل مآلاته مفتوحة على سيناريوهات عدة غير محسومة حتى الآن.