في ظلّ التصعيد الميداني غير المسبوق على الجبهة الجنوبية اللبنانية، وتصاعد حدّة الاستقطاب السياسي في بيروت، تبرز إلى السطح تساؤلات قلقة حول "اليوم التالي" للبنان. وتتأرجح هذه التساؤلات بين فرضيات التدخل الخارجي لضبط الأمن، ومخاوف الانقلاب الداخلي لتغيير موازين القوى. وفي هذا السياق، تبرز مواقف إعلامية تحلل حقيقة "الضوء الأخضر" الإقليمي لدور سوري جديد، ومدى قدرة الأطراف المحلية على فرض واقع سياسي وعسكري جديد في العاصمة بيروت، بعيدا عن مؤسسات الدولة.
وفي هذا الصدد، تحدث ناشر موقع "القرار الإعلامي" أحمد الأيوبي عن عدم وجود أي مؤشر على أن الدول الخماسية أعطت الضوء الأخضر للرئيس السوري أحمد الشرع للدخول إلى لبنان من جهة البقاع إذا انفلت الوضع الأمني. وقال: مسار الأمور كما هو الآن لا يوحي أبدا بوجود مثل هذا التوجه، ولا تتوافر مؤشرات عليه؛ لكن في حال حدوث سيناريوهات تؤدي إلى انتشار الفوضى في المنطقة - وهو ما قد ينتج عن تداعيات الصراع بين إسرائيل وحزب الله على الأراضي اللبنانية – فقد يفتح هذا الأمر التطورات الأمنية على سيناريوهات تنطلق من مبدأ أن سوريا تريد الحفاظ على أمنها القومي. وبالتالي، إذا انفلتت الأوضاع في البقاع، فقد يصبح التدخل "جراحيا" لضمان الأمن الداخلي السوري، ومنع دخول المسلحين أو المجموعات المسلحة إلى الداخل السوري، وهو ما قد يرتبط في هذه الحالة بتدخل ما للقوات السورية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي"، أنه، بمعنى آخر، لا توجد خطط مسبقة لسيطرة سورية على البقاع أو الشمال أو ما شابه، وليس هناك أي تصور مسبق لمثل هذا التوجه.
وعند سؤاله عما إذا كان لبنان أمام خطر انقلاب داخلي على الدولة أم أن ما يحصل مجرد تصعيد سياسي، أكد الأيوبي أن هناك بالفعل محاولة انقلاب حقيقية علمت بها دوائر القرار في الدولة اللبنانية منذ نحو شهر تقريبا أو أقل، لافتا إلى أنه أصبح واضحا أن حزب الله حضّر لانقلاب عنيف يسيطر من خلاله على بيروت ومواقع الدولة ومراكز القرار من وزارات، بالإضافة إلى السراي الحكومي وربما القصر الجمهوري أيضا. وكان الحزب مشغولا بهذه الخطة، حيث وضعت تصورات عدة لمن سيتولون الحكم من الشخصيات (المسيحية والسنية) الموالية له، مع ثبات حصة الطائفة الشيعية بوجود الرئيس نبيه بري.
وتابع أن الخطة كانت متكاملة للسيطرة على بيروت كوسيلة للتعويض عن خسائر الحزب في الجنوب، مشيرا إلى أن الخسارة التي تلقاها هناك ليست سهلة أبدا، خصوصا وأنه قد يضطر إلى الانسحاب من مناطق كبنت جبيل، مما يكرّس هزيمته أمام إسرائيل بشكل واضح.
وقال إنّ معادلة "بيروت مقابل الجنوب" هي التي يسعى إليها الحزب، وحاول تحقيقها بطرق عدة لكنه فشل، خصوصا في التظاهرة الأخيرة التي حاول من خلالها حشد أكبر قدر ممكن من الأنصار، وهو ما لم يتحقق لأسباب عدة:
أولا: خشية أنصار الحزب من الخروج في مظاهرات بوجوه مكشوفة خوفا من رصدهم بواسطة المسيّرات الإسرائيلية واستهدافهم لاحقا.
ثانيا: انسحاب "حركة أمل" من التظاهر، ما دفع حركة أمل وحزب الله إلى إصدار بيان لحفظ ماء الوجه يؤكد أنهما لم يدعوا إلى التظاهر.
ثالثا: تراجع الحزب السوري القومي الاجتماعي عن المشاركة في تحركات "الحمرا" ومحيط السراي الحكومي خشية الملاحقة الأمنية والمسيّرات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستهدافات الإسرائيلية في بيروت طالت أكثر من مئتي كادر كانوا يحضّرون لهذا الانقلاب؛ حيث سقط هؤلاء بعد الكشف عن بيانات (IT) خاصة بتطبيق "زوم"، إذ كشف الاجتماع هوياتهم، وأكدت الصور المنشورة لاحقا مقتلهم أثناء التحضير لهذا المخطط. وعليه، رأى الأيوبي أن الحزب لا يزال مسكونا بفكرة السيطرة على بيروت.
أضاف: لا ندري ما إذا كانت الوقائع قد أقنعت الحرس الثوري الإيراني بصعوبة تكرار سيناريو 7 أيار في الوقت الراهن، أم أنهم سيعاودون المحاولة؟ هذا الأمر لا يزال غير واضح.
أما عن احتمال وقوع صدام مباشر بين الدولة والحزب وتدخل إقليمي لضبط الوضع، فقد استبعد الأيوبي ذلك، معتبرا أن قيادة الجيش تعمل وفق منهجية تراعي الحزب إلى حد كبير.
وفي كل الأحوال، أكد أنه لا يوجد طرح جدي بجعل السوريين "حلا أمنيا"، بل المطروح هو الاستعانة بقوات دولية ضمن أطر قانونية محددة. وقال: موضوع التدخل السوري لا يحمل بعدا واقعيا، بل هو ورقة تستخدم في الصراعات السياسية، خصوصا في ظل الموقف السوري الرسمي الذي يتعامل مع لبنان كدولة مستقلة.
ختاما، يواجه لبنان صراعا وجوديا بين ميدان الجنوب المشتعل وطموح الانقلاب في بيروت. إن معادلة "السيطرة على العاصمة لتعويض خسارة الحدود" تعكس مأزقا حقيقيا لحزب الله أمام التفوق التكنولوجي الإسرائيلي وتفكك التحالفات الميدانية.
وبينما تتلاشى فرضية "الوصاية السورية" لصالح الحلول الدولية، يبقى استقرار لبنان رهنا بقدرة مؤسساته على الصمود أمام محاولات تغيير وجه العاصمة أمنيا. فهل تنجح الدولة في استعادة زمام المبادرة، أم أن الفوضى ستكون المدخل لفرض واقع سياسي جديد بعيدا عن الدستور؟ الحقيقة أن لبنان اليوم يسابق الزمن لمنع تحول "القلق الأمني" إلى انهيار نهائي.