تتجه الأنظار إلى يوم الثلاثاء، حيث من المقرر أن يُعقد اللقاء الأول بين سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة الأميركية يحيئيل ليتر، بحضور السفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى، في خطوة تحمل طابعًا تحضيريًا وسط ترقب واسع لما قد تؤول إليه.
ويطرح هذا اللقاء تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان سيمهد فعليًا لانطلاق مفاوضات مباشرة بين الجانبين، أم أنه سيبقى في إطار الشكليات الدبلوماسية من دون تحقيق خرق حقيقي.
وتزداد التعقيدات في ظل تمسك إسرائيل بعقد أي لقاء تحت وطأة العمليات العسكرية، مقابل إصرار لبنان على وقف الأعمال العسكرية كمدخل إلزامي لأي مسار تفاوضي جدي. وفي موازاة ذلك، يواصل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو تأكيده على استمرار الحرب على حزب الله، والسعي إلى إقامة منطقة عازلة، ما يضع فرص نجاح أي مفاوضات أمام تحديات كبيرة.
أما في حال التوصل إلى اتفاق، فإن مسألة تطبيقه تبقى رهنًا بعوامل داخلية معقدة، في مقدمتها مواقف الحزب، وما إذا كانت المرحلة المقبلة قد تشهد تطورات ميدانية تعيد إلى الأذهان مشهدًا يذكر بما حدث بعيد اتفاق 17 أيار.
في هذا الإطار، أكد المحلل السياسي والصحافي الدكتور داوود رمال أن أي مقاربة إعلامية أو تحليلية لملف المفاوضات في المرحلة الراهنة تبقى سابقة لأوانها، مشددًا على ضرورة التريث إلى ما بعد الاجتماع التمهيدي المرتقب في واشنطن يوم الثلاثاء، والذي يُنتظر أن يشكل محطة مفصلية في تحديد مسار المرحلة المقبلة.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن الاجتماع المباشر في واشنطن هو الذي سيحسم مسألة انطلاق المفاوضات من عدمها، إضافة إلى تحديد مكان انعقادها وآليتها، لافتًا إلى أن الأجندة اللبنانية تركز على وقف إطلاق النار مقابل الانطلاق نحو مفاوضات مباشرة يُرجح انعقادها في قبرص، في حين تشير المعطيات إلى أن الأجندة الإسرائيلية لا تزال تركز على استمرار إطلاق النار، بالتوازي مع الدفع نحو مفاوضات تحت عنوان موحد يتمثل في نزع سلاح حزب الله، من دون تقديم أي ضمانات واضحة.
وأضاف أن الصورة لا تزال ضبابية في انتظار نتائج الاجتماع، ولا سيما في ما يتعلق بإمكانية إبقاء الوضع محصورًا ضمن ما يُعرف بالشريط الأمني الذي يطرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، أو الذهاب نحو مقاربة مختلفة تقوم على وقف الهجمات في بيروت والضاحية وشمال خط الزهراني، تمهيدًا لانطلاق مفاوضات رسمية بين الوفدين، على أن يكون بندها الأول إعلان هدنة مؤقتة ريثما يتم التوصل إلى اتفاق شامل.
وأشار رمال إلى أن هذا الطرح يشكّل مطلبًا لبنانيًا أساسيًا، في حين أن الموقف الإسرائيلي لا يزال متصلبًا، إذ يفضل الاستمرار في الضغط العسكري والدخول في أي مسار تفاوضي تحت وطأة النار، الأمر الذي يعقّد المشهد ويحول دون توافر مناخ واضح يمكن البناء عليه.
ورأى أن التعقيدات السياسية الداخلية في إسرائيل، ولا سيما المأزق الذي يواجهه رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، تُلقي بظلالها على مجريات الأحداث، إذ إن أي وقف لإطلاق النار قد ينعكس سلبًا على وضعه السياسي، ما يدفعه إلى التشدد في مواقفه.
وختم رمال بالتأكيد على أن كل السيناريوهات تبقى مفتوحة، وأن أي تحليل دقيق لمسار المفاوضات يجب أن يستند إلى ما ستسفر عنه نتائج اجتماع واشنطن، داعيًا إلى التعامل بحذر مع المعطيات الراهنة إلى حين تبلور صورة أوضح في الأيام المقبلة.
في المحصلة، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات السياسية بالميدانية، فيما تبقى المفاوضات المحتملة رهينة توازنات معقدة تتجاوز حدوده الداخلية. وبين شروط متضاربة وضغوط عسكرية مستمرة، لا يبدو أن الطريق إلى اتفاق قريبًا أو سهلًا، ما يجعل نتائج الاجتماع المرتقب في واشنطن اختبارًا حاسمًا لما إذا كان المسار سيتجه نحو التهدئة أو نحو مزيد من التصعيد. وحتى ذلك الحين، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات، في انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من تحولات.