في ظل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يبقى مضيق هرمز نقطة محورية ليس فقط للطاقة العالمية، بل للبنية التحتية الرقمية أيضا. يعرف المضيق بأنه ممر استراتيجي للنفط والغاز، حيث تمر عبره نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية. ومع ذلك، فإن أهميته لم تعد مقتصرة على الطاقة، بل تشمل شبكات الإنترنت العالمية والكابلات البحرية الحيوية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتشكل شرايين رقمية أساسية لتبادل البيانات العالمية، بما في ذلك الأسواق المالية والحوسبة السحابية والمدفوعات الرقمية وشبكات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن الاتصالات الحكومية والعسكرية. أي اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي قد يثير تأثيرات تقنية واقتصادية عالمية كبيرة.
وفي هذا السياق، أوضح المدير العام السابق لهيئة "أوجيرو" عماد كريدية أن أهمية مضيق هرمز كبوابة رقمية تتجاوز دوره كممر نفطي، مشيرا إلى أن نحو 20% من تجارة النفط العالمية والغاز الطبيعي تمر عبر المضيق، وفي الوقت نفسه يمر عبره عدد كبير من الكابلات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا والخليج بمراكز البيانات العالمية، كما تصل إلى أفريقيا. وأكد أن أكثر من 99% من البيانات التي تتناقلها الدول تمر اليوم عبر هذه الكابلات، ما يجعل المضيق محورا حيويا ليس فقط للطاقة بل للبنية التحتية الرقمية.
وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن الكوابل البحرية تسمح للأسواق المالية، والحوسبة السحابية (Cloud Computing)، والمدفوعات الرقمية، وشبكات الذكاء الاصطناعي بالعمل بكفاءة، فضلا عن دعم الاتصالات الحكومية والعسكرية. وقال إنّه في حال تضرر كابل واحد أو أكثر، سيكون لذلك آثار فورية على الإنترنت، حيث لن يحدث انقطاع كامل، لكن جودة الإنترنت ستتراجع بشكل ملحوظ، إذ ستعتمد الدول المتأثرة على المسارات البديلة، التي غالبا ما تكون أقل قدرة وسرعة، ما يؤدي إلى تباطؤ حركة البيانات ويؤثر جزئيا على الحوسبة السحابية والتداولات المالية، موضحا أنّ تجارب سابقة في 2024 و2025 أظهرت أنه عند تعطل كابلات في البحر الأحمر، حدث تراجع كبير في سرعة نقل البيانات، مما اضطر بعض الدول إلى إعادة توجيه البيانات عبر المسارات الرديفة، وهو ما أثر على السياسات الرقمية والاقتصاد الرقمي في تلك الدول.
وأشار كريدية إلى أن البدائل، سواء الخطوط الرديفة أو الأقمار الصناعية، يمكن أن تخفف الصدمة موقتا، لكنها لا تعوض الكوابل الأساسية، خصوصا إذا طال زمن الإصلاح أو الصيانة، موضحا أن الأقمار الصناعية تستخدم فقط في الطوارئ وبكميات محدودة، ولا يمكن أن تحل محل الكوابل البحرية، لأنها لا تملك القدرة على تحمل حجم البيانات الذي تمرره الكوابل الأساسية.
ولفت إلى أن استمرار التصعيد العسكري قد يؤدي إلى قطع الكوابل، المر الأمر الذي سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، حيث سيتأثر قطاع المصارف، وسترتفع أسعار الطاقة، وستتعرض أسهم التكنولوجيا لنكسة كبيرة. وقال إنّ القطاع الشخصي سيشعر بتأثير ذلك أيضا، حيث ستتأثر المدفوعات عبر الإنترنت، وستتعرض أسواق المال لاهتزازات كبيرة، وسيكون الخاسر الأكبر مراكز البيانات، الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي. كما ستتأثر الشركات التي تخزن بياناتها على هذه الأنظمة، بسبب بطء الوصول إلى المعلومات الحساسة المخزنة على الكلاود.
وأكد كريدية أن الأزمة المحتملة في مضيق هرمز مرتبطة اليوم بالنفط والبيانات معا، إذ أصبحت الكوابل البحرية جزءا أساسيا من الأصول السيادية للدول، وتعتمد عليها البنية الاقتصادية والأمنية للدول التي تستعمل الإنترنت. وقال إنّ أي خلل في البنية التحتية الرقمية يشكل تهديدا مباشرا على الاقتصادات التي تعتمد على البيانات بشكل متطور في الرقمنة والأمن الرقمي.
وأوضح أن هذه أول أزمة جيوسياسية تربط النفط بالإنترنت، ولحسن الحظ أنه حتى اليوم لم يحدث انقطاع للكابلات، لأن الانقطاع، حتى لو كان غير مقصود، قد يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي وحركة البيانات بين الدول، مؤا أنّ الجميع بحاجة إلى الحرص على حماية هذا الشريان الأساسي، إذ إنّ السيناريو الأسوأ سيكون انهيار منظومات تعتمد على الإنترنت، ليس في المنطقة فقط، بل في كل أنحاء العالم.
وقال إنّه على مر السنوات والقرون السابقة، كان العالم يخشى من خنقة النفط، أما اليوم، فالأمر أصبح مرتبطا بالإنترنت، حيث أصبح اعتمادنا على الشبكات الرقمية يوازي، إن لم يتفوق، على اعتمادنا على النفط.
في النهاية، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر حيوي للطاقة العالمية، بل تحول إلى شريان رقمي أساسي يمر عبره جزء كبير من حركة البيانات في العالم. فالكابلات البحرية التي تعبر هذه المنطقة باتت العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، من الأسواق المالية إلى الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. لذلك، فإن أي اضطراب في هذا الممر لن ينعكس فقط على أسعار النفط والطاقة، بل قد يمتد تأثيره ليطال سرعة الإنترنت واستقرار الأنظمة الرقمية والاقتصادية في مختلف الدول. وبين النفط والبيانات، تتأكد اليوم حقيقة جديدة مفادها بأنّ أمن الممرات البحرية بات مرتبطا بشكل مباشر بأمن الاقتصاد الرقمي العالمي.