في ظلّ التصعيد الإقليمي المتسارع، قدم مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس في حديثٍ عبر منصّة "بالعربي" ضمن برنامج "حوار الليلة" مع الإعلامي ربيع ياسين، قراءة شاملة لخطاب الرئيس الأميركي وما يحمله من دلالات وتداعيات على المنطقة، معتبرًا أنّ هذا الخطاب شكّل محطة مفصلية انتظرها الجميع في غرب آسيا، وسط ترقب لما إذا كان سيحمل إعلان انتصار وانسحاب أو تصعيدًا إضافيًا في المواجهة، ليأتي في نهاية المطاف خطابًا “بغاية العنف” وفق توصيفه، ويؤسس لمرحلة جديدة من التوتر.
وأوضح جرمانوس أنّ الخطاب تضمّن اتهامات مباشرة لإيران بالوقوف خلف سلسلة عمليات استهدفت مصالح أميركية، من تفجير المارينز في لبنان إلى الهجوم على البارجة الأميركية “يو إس كول”، مرورًا باستخدام المتفجرات ضد القوات الأميركية في العراق، وصولًا إلى اتهام غير مسبوق على مستوى الرئاسة الأميركية بضلوع طهران في هجمات السابع من أكتوبر، ما يعكس توجّهًا واضحًا نحو تحميل إيران مسؤولية تفجير المشهد الإقليمي بأكمله.
كما لفت إلى أن الرئيس الأميركي وجّه انتقادات حادة لحلفائه الأوروبيين، متهمًا إياهم بالتلكؤ، ومؤكدًا أنّ الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى نفط الشرق الأوسط، في ظلّ تحوّلها إلى أكبر منتج عالمي، في سياق سياسة “Drill America Drill”، ما يعكس تغيّرًا في أولويات واشنطن الاقتصادية والاستراتيجية، وقد تكون له تداعيات على العلاقات الأميركية الأوروبية وحتى على حلف شمال الأطلسي، الذي تمر علاقاته بمرحلة غير مسبوقة من التوتر.
وفي سياق التصعيد، أشار جرمانوس إلى أن ترامب هدد إيران بشكل مباشر بتدمير بنيتها التحتية بالكامل، من كهرباء ومنشآت نفطية، وصولًا إلى جزيرة خرج، متوعدًا بإعادتها إلى "العصر الحجري"، في حال عدم الاستجابة، معتبرا أن هذه التهديدات جدية، وأنّ الرئيس الأميركي من النوع الذي "ينفذ عندما يتكلم"، مستندًا إلى امتلاك الولايات المتحدة أكبر آلة عسكرية في العالم.
واعتبر أن إيران أخطأت في تقدير شخصية ترامب وقدرات واشنطن، مشيرًا إلى أنّ سلوكها في المنطقة، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، وضعها في مواجهة حتمية مع الولايات المتحدة، بخلاف دول أخرى ككوريا الشمالية التي لا تتدخل خارج حدودها، في حين تعتمد إيران على شبكة من الأذرع والميليشيات.
وتوقف جرمانوس عند نقطة وصفها بالخطيرة في الخطاب، وهي الحديث عن قصف المنشآت النووية الإيرانية ووجود تسرب إشعاعي، مع تحذير من الاقتراب منها، ما يعني، بحسب تقديره، أنّ إيران تواجه كوارث حقيقية على الأرض، في ظل حجم الضربات التي تعرّضت لها.
وفي ما يتعلق بالوضع الداخلي الإيراني، رأى أن النظام لم يعد بيد رجال الدين، بل انتقل فعليًا إلى أيدي ضباط في الحرس الثوري، بعد تصفية عدد كبير من القيادات، ما أدى إلى نشوء واقع جديد يتسم بغياب المرجعيات التقليدية وتوزّع السلطة بين قيادات ميدانية، الأمر الذي يزيد من حالة عدم الاستقرار.
وأشار إلى أنّ إيران تقف أمام خيارين: إما الاستسلام، ما يؤدي إلى سقوط النظام مع بقاء الدولة وإمكانية إعادة الإعمار، أو الاستمرار في المواجهة، ما قد يفضي إلى انهيار شامل اقتصاديًا ومعيشيًا، خصوصًا إذا تم استهداف الكهرباء والمنشآت النفطية.
وعن مضيق هرمز، اعتبر أن سيناريو تعطيله كان متوقعًا منذ سنوات، مشيرًا إلى أن دول الخليج، وخصوصًا السعودية، استعدت لهذا الاحتمال عبر إنشاء خطوط أنابيب بديلة نحو البحر الأحمر، ما يسمح لها بتخفيف تأثير أي إغلاق محتمل للمضيق.
وفي ما يتعلق بلبنان، شدد جرمانوس على أن الأزمة تتجاوز حزب الله، لتطال بنية الدولة نفسها وطبيعة النظام السياسي، معتبرًا أنّ لبنان هو البلد الوحيد الذي تمكنت فيه قوى "الإسلام السياسي الشيعي" من الإمساك بالسلطة، نتيجة مسار طويل بدأ منذ خمسينات القرن الماضي، ما يجعل معالجة هذا الواقع مسألة معقدة.
كما أشار إلى أنّ إسرائيل تتجه نحو فرض منطقة عازلة في الجنوب، قد تمتد إلى مناطق أوسع، مع تغيير كامل في الواقع الميداني، من خلال تدمير البنية التحتية ومنع عودة السكان، واستخدام وسائل تكنولوجية متقدمة لضبط المنطقة.
وكشف جرمانوس عن معطى بالغ الحساسية، يتمثل في وجود معلومات تفيد بأن "اللجنة الخماسية" أعطت ضوءًا أخضر للرئيس السوري أحمد الشرع للدخول إلى لبنان، في إطار إدارة المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أنّ هذا الطرح يتقاطع مع تقارير دولية، بينها ما نشرته وكالة "رويترز"، حول وجود توافق دولي في هذا الاتجاه.
وأوضح أن هذا السيناريو قد يُطرح في حال قررت إسرائيل عدم التوسع نحو بيروت، وترك الداخل اللبناني لمعالجات إقليمية، ما قد يفتح الباب أمام دور سوري لضبط الوضع، على غرار ما حصل في مراحل سابقة، خصوصًا في ظل تعقيدات الحدود اللبنانية السورية ووجود عناصر وضباط سابقين داخل لبنان.
وفي موازاة ذلك، حذر من تداعيات داخلية خطيرة، مع احتمال نزوح داخلي واسع باتجاه بيروت وجبل لبنان، ما سيؤدي إلى ضغط كبير على مناطق مكتظة أساسًا، في ظل أزمة اقتصادية خانقة، قد تتفاقم مع تراجع القدرة على تأمين الدولار والاستيراد.
كما أشار إلى أن هذا الواقع قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية أو حتى صدامات أهلية، في ظل غياب الدولة وضعف مؤسساتها، معتبرًا أنّ لبنان يقف أمام سيناريو "مرعب"، حيث ينتقل من مرحلة إلى أخرى أكثر خطورة.
وتطرق أيضًا إلى أوضاع الساحات الأخرى، مشيرًا إلى أنّ العراق يحاول تحييد نفسه رغم الضربات التي تستهدف الحشد الشعبي، فيما يسعى الحوثيون في اليمن إلى البقاء خارج دائرة المواجهة رغم إعلانهم الدخول فيها، لافتًا إلى أنّ لبنان يبقى الساحة الأكثر انخراطًا في الصراع، من خلال حزب الله، الذي يواجه تحديات كبيرة في ظل موازين القوى الحالية.
وختم جرمانوس بالتأكيد أنّ المشهد الإقليمي يتجه نحو مزيد من التعقيد، في ظل تداخل العوامل الدولية والإقليمية، محذرًا من أنّ لبنان، في ظل وضعه الحالي، قد يكون من أكثر الدول عرضة لتداعيات هذه التحولات، في مرحلة وصفها بأنها انتقال “من الرعب إلى الأرعب”.