أثارت تصريحات محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما تضمنت إشارات اعتبرت تهديدًا مباشرًا للدولة والحكومة، من خلال الحديث عن "قلب البلد" وإسقاط السلطة، إضافة إلى استحضار نموذج تاريخي يرتبط بمحاكمة وإعدام حكومة فيشي في فرنسا بعد انتصار المقاومة بقيادة ديغول.
وسرعان ما زادت حدة النقاش مع مسارعة قماطي إلى نفي ما يُتَداول، معتبرًا أن تصريحاته "أُخرجت من سياقها" و"تفتقد إلى الدقة"، ما فتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول حقيقة المواقف المعلنة وحدود التراجع عنها.
وفي خضم هذا السجال، يبرز سؤال جوهري يتعلق بموقع الدولة ومؤسساتها، لا سيما القضاء، من هذا النوع من التصريحات التي تحمل في طياتها طابعًا تهديديًا واضحًا. فأين هو القضاء من هذه المواقف؟ ولماذا يغيب أي تحرك فعلي لمساءلة مسؤولين يطلقون مواقف قد تفسر على أنها تحريض أو تهديد مباشر للنظام العام؟ وهل باتت مثل هذه التصريحات تمر من دون محاسبة، في ظل واقع سياسي يكرس ازدواجية في المعايير بين ما يسمح به لبعض القوى وما يحظر على غيرها؟
كما يطرح هذا المشهد إشكالية أوسع تتعلق بهيبة الدولة وحدود سلطتها، في ظل تكرار مواقف تصدر عن مسؤولين حزبيين تتجاوز أحيانانًا منطق المؤسسات، وتضع شرعية الدولة نفسها موضع تشكيك.
فهل يعكس غياب المساءلة ضعفًا بنيويًا في مؤسسات الرقابة؟ أم أنه نتيجة فرض الحزب نفسه على حساب تطبيق القانون؟ وفي الحالتين، يبدو أن استمرار هذا الواقع يفتح المجال أمام مزيد من التوتر، ويطرح علامات استفهام جدية حول قدرة الدولة على فرض سيادتها وحماية نظامها الدستوري.
في تعليقه على كلام قماطي، اعتبر الصحافي بشارة خيرالله أن من يمتلك هذه القوة عليه أن يستخدمها في مواجهة إسرائيل، وأن يعمل على إعادة الناس إلى بيوتهم وإعمار ما دمرته الحروب، بدل توجيهها إلى الداخل اللبناني. وقال: لا يمكن القبول بمعادلة يكون فيها الطرف قويًا على الدولة وضعيفًا أمام إسرائيل. واعتبر أنّ هذا النهج لا يعوض الفشل في مواجهة إسرائيل.
وأَكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أَن أساليب الاستقواء والشتيمة والتهديد لم تعد مقبولة ولا مجدية، مشيرًا إلى أنه يرفض هذه الممارسات بشكل كامل، ولا يمكن تبريرها تحت أي عنوان.
ولفت خيرالله إلى أنّ اللجوء إلى هذه اللغة يعكس أزمة حقيقية في الخطاب السياسي، ولا يخدم أي قضية وطنية.
وفي سياق متصل، رأى أن الدولة يجب أن تقوم بدورها عاجلًا أم آجلًا، وأن الأمور لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه، لأن لكل شيء وقته، والدولة في نهاية المطاف ستفرض حضورها.
وتطرق خيرالله إلى المعلومات المتداولة عن طلب الحزب إزالة كاميرات مراقبة في بعض مناطق بيروت، مشيرًا إلى أن غياب التحرك الأمني الواضح يثير القلق، في ظل وجود استفزازات ومشاكل في مناطق عدّة، بعضها يعلن وبعضها يبقى بعيدًا عن الإعلام. واعتبر أن ما يحصل يعكس حالة دولة مخطوفة، يمكن توقع أي شيء منها في ظل هذا الواقع.
وشدد على أن المشكلة الأساسية تكمن في اختلاف الخيارات، لافتًا إلى أن المطلوب هو العودة إلى الخيارات اللبنانية، بدلًا من الارتهان إلى خيارات خارجية. ورأى أَنّ هذا الأمر يشكل جوهر الخلاف القائم.
وأكد خيرالله أنّ هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، وأن الوصول إلى مرحلة الحسم بات أمرًا حتميًا، لأن الاستمرار في النهج الحالي سيؤدي إلى مزيد من التدهور، داعيا الدولة ومؤسساتها إلى القيام بدورها بشكل أكثر فاعلية على الأرض، خُصوصًا في العاصمة بيروت.