بعد إعلان وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين أن الحكومة الإسرائيلية تدرس إمكان إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تُوُصّلَ إِليها مع لبنان في العام 2022 بوساطة أمريكية، عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي في المنطقة.
فقد اعتبر كوهين أن الاتفاق، الذي وقعته حكومة إسرائيلية سابقة لتسوية النزاع الحدودي البحري في منطقة شرق البحر المتوسط الغنية بالغاز، لم يكن "اتفاقية حقيقية" بل "وثيقة استسلام"، في إشارة إلى الانتقادات الداخلية التي وجهت للاتفاق منذ إقراره.
ويثير هذا الموقف تساؤلات عِدّة حول دلالات طرح إلغاء الاتفاق في هذا التوقيت تحديدًا وحول التداعيات القانونية، السياسية والاقتصادية لمثل هذه الخطوة، خصوصًا وأنها تتعلق بملف حساس يرتبط باستقرار الحدود البحرية واستثمار موارد الطاقة في المنطقة. كما يأتي هذا الطرح في ظل تصاعد وتيرة الحرب في الجنوب اللبناني وتزايد الحديث في الأوساط السياسية والعسكرية عن احتمال تنفيذ غزو بري إسرائيلي لمنطقة جنوب نهر الليطاني، ما يضيف أبعادًا جديدة للنقاش حول مستقبل اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.
في قراءة لتداعيات القرار الإسرائيلي على لبنان وتوقيته، قالت الخبيرة في شؤون الطاقة لوري هايتايان إن أول ما ينبغي التذكير به هو أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، عندما عاد إلى السلطة بعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في العام 2022، كان قد أعلن في خلال حملته الانتخابية أنه سيعمل فور وصوله إلى الحكم على إلغاء هذا الاتفاق. إلا أن السنوات التي تلت ذلك أظهرت أن هذا التهديد لم يتحول إلى قرار فعلي.
وأوضحت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنه حتى العام 2026 لم يُلغَ الاتفاق، على الرغم مِن تكرار التصريحات الإسرائيلية التي تلوح بهذه الخطوة. في خلال حرب العام 2024 عاد وزير الطاقة الإسرائيلي إلى التهديد بإلغاء الاتفاق، مشيرًا إلى أن حكومته تدرس إمكان القيام بذلك. كما تكرر الحديث نفسه في العام 2026، حيث أعلنت الجهات الإسرائيلية أنها تدرس مسألة إلغاء الاتفاق، وهو أمر سمعناه أكثر من مرة من دون أن يتحقق على أرض الواقع.
وأشارت هايتايان إلى أن الاتفاق، من الناحية الشكلية والقانونية، يتضمن بنودًا واضحة تمنع أي طرف من إلغائه بصورة أحادية. فالاتفاق الذي حصل بين الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية بوساطة أمريكية ينص في أحد بنوده على أنه لا يحق لأي طرف تعديل إحداثيات الحدود البحرية أو إلغاء الاتفاق من طرف واحد من دون العودة إلى الطرف الآخر وإلى الوسيط الأمريكي.
وقالت إن هذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل لا تستطيع اتخاذ خطوات أحادية، لكنها في هذه الحالة ستكون ملزمة بإبلاغ الأمم المتحدة رسميًا أنها لم تعد معنية بالاتفاق وأنها تعتزم تغيير الإحداثيات البحرية التي تعتمدها. وفي حال حصول ذلك، قد تعود إسرائيل إلى ما كان يعرف سابقًا بالخط رقم 1، الأمر الذي يؤدي تلقائيًا إلى إدخال معظم البلوك 8 والبلوك 9 اللبنانيين ضمن منطقة متنازع عليها.
ولفتت هايتايان إلى أن البلوك 9 لم يعد يشهد نشاطًا فعليًا بعدما تخلت شركة توتال عن العمل فيه، في حين أن البلوك 8 لا يزال ضمن عقد استثمار بين الدولة اللبنانية وكل من توتال إنرجيز وإيني وقطر للطاقة. وفي حال أعلنت إسرائيل أن البلوك 8 أصبح ضمن منطقة نزاع، فقد تقوم بتحذير الدولة اللبنانية أو الشركات من تنفيذ أي أعمال فيه، على الرغم من أن الواقع الحالي يشير إلى عدم وجود أعمال استكشافية أو تطويرية بسبب الظروف الأمنية والحرب.
ورأت أن المسألة الأساسية تكمن في كيفية تعامل الدولة اللبنانية مع مثل هذا القرار إذا اتخذته إسرائيل. ففي حال اعتبرت إسرائيل أنها لم تعد ملتزمة باتفاق ترسيم الحدود البحرية، يمكن للبنان أن يعلن ببساطة العودة إلى الوضع السابق، أي اعتبار الخط 23 حدوده البحرية، مع إعادة النزاع على مساحة 846 كيلومترًا مربعًا بين الخطين 23 و1.
لكن هايتايان أشارت إلى أن لبنان قد يذهب أبعد من ذلك، إذ يمكنه الاستناد إلى المعطيات القانونية والاجتهادات الصادرة عن محكمة العدل الدولية وإلى القواعد القانونية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية ليعود إلى اعتماد الخط 29. وفي هذه الحالة يصبح الجزء الشمالي من حقل كاريش ضمن منطقة متنازع عليها، ما يسمح للبنان اتخاذ إجراءات قانونية للضغط على الشركة المشغلة للحقل، وهي شركة إنرجيان.
ورأت أَنه يمكن للبنان اعتبار المنطقة المعروفة باسم "زون آي"، المقابلة للبلوك 8، منطقة متنازع عليها أيضا، وهي المنطقة التي منحت إسرائيل عقود استثمار فيها لشركة سوكار الأذرية بالتعاون مع شركة بي بي وشركة إسرائيلية. وفي هذه الحالة قد تتوقف أي أعمال توسعية في تلك المنطقة نتيجة النزاع القانوني.
وأوضحت هايتايان أن إلغاء الاتفاق قد لا يكون في مصلحة إسرائيل كما قد يعتقد البعض، لأن شركات الطاقة لا تفضل العمل في مناطق نزاع. فإذا أصبحت الحقول الإسرائيلية أو أجزاء منها موضع نزاع قانوني، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع الاستثمارات أو تعقيد عمليات التطوير.
وقالت إن إسرائيل تواجه أساسًا نقاشًا داخليًا حول مستقبل قطاع الغاز، خصوصًا في ما يتعلق بتوسيع حقل ليفياثان بهدف زيادة الصادرات إلى مصر والأردن. غير أن بعض الأصوات داخل إسرائيل تحذر من أن زيادة التصدير قد تهدد أمن الإمدادات المحلية في المستقبل.
وختمت: التهديد بإلغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية يبدو في كثير من الأحيان أداة ضغط سياسية على لبنان، إذ تعتقد بعض الجهات الإسرائيلية أن الاتفاق هو الذي يتيح للبنان الاستفادة من موارده الطبيعية في البحر. ولذلك تستخدم هذه الورقة للضغط، أكثر مما تعكس نية فعلية لإلغاء الاتفاق أو تغيير الواقع القانوني القائم.