بعد تأكيد الحكومة اللبنانية والجيش و"الميكانيزم" أن منطقة جنوب الليطاني باتت خالية من سلاح حزب الله، كشفت التطورات في الأيام الماضية عكس ذلك تمامًا.
فقد أظهرت الأحداث أن الحزب ما زال يمتلك القدرة العسكرية في تلك المنطقة، بعدما دخل في معركة إسناد لإيران ضد إسرائيل وأطلق مئات الصواريخ باتجاهها.
هذا الواقع أعاد طرح تساؤلات جدية حول حقيقة ما أُعلن سابقًا: هل كانت السلطة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية مخدوعة بالتقديرات التي قُدمت لها، أم أن ثمة تواطؤًا ما سمح ببقاء هذا السلاح واستمراره؟
في هذا الإطار، قال الصحافي قاسم يوسف إن إطلاق صواريخ من منطقة جنوب الليطاني يعيد طرح تساؤلات كبيرة حول حقيقة ما أُعلن سابقًا عن تنظيف المنطقة من السلاح، موضحًا أن الدولة اللبنانية بمؤسساتها وقعت في مواجهة ما وصفه بـ"كذبة كبيرة"، بعدما جرى الترويج في بداية الأمر إلى أن نحو 80 إلى 90 في المئة من المنظومة العسكرية المسلحة والأنفاق وغيرها قد جرى تفكيكها أو إنهاؤها.
وأوضح عبر منصة "بالعربي" أن عودة حزب الله إلى إطلاق الصواريخ من جنوب الليطاني تحمل رسائل متعددة. فالرسالة الأولى موجهة إلى الدولة اللبنانية ومفادها أن الحزب ما زال موجودًا ولم يُسلم قدراته. أما الرسالة الثانية فهي إلى جمهوره للتأكيد أنه لم يتراجع. فيما الرسالة الثالثة موجهة إلى المجتمع الدولي للتأكيد أن كل ما قيل عن إنهاء وجوده العسكري في تلك المنطقة ليس دقيقًا.
وأشار إلى وجود تقاطع غير مباشر بين إسرائيل وحزب الله في هذه المرحلة، إذ يسعى كل طرف إلى إظهار عجز الدولة اللبنانية عن فرض سيطرتها الكاملة. واعتبر أن الحزب يرفع سقف مواقفه في محاولة لفرض نفسه مفاوضًا رئيسيًا في أي مرحلة سياسية مقبلة، بحيث لا تقتصر عملية التفاوض على الدولة اللبنانية أو رئيس الجمهورية أو الحكومة.
وأضاف يوسف أن رئيس الجمهورية كان قد أكد سابقًا أن لبنان ليس غزة، وأنه لا يمكن تكرار تجربة تفاوض الفصائل المسلحة بشكل مباشر كما حدث مع حركة حماس، مشددًا على أن التفاوض في لبنان يتم عبر مؤسسات الدولة، أي عبر رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والجهات الرسمية المختصة.
ولفت إلى أن الدولة اللبنانية حاولت استباق خطوات حزب الله، إذ جاء أول رد رسمي بعد إطلاق الصواريخ عبر طرح استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة على مستوى وزاري، في خطوة اعتبرها تطورًا استثنائيًا قد يسهم في الحد من التصعيد القائم.
غير أن يوسف أشار إلى أن المواقف الدولية، ولا سيما الإسرائيلية، لا تبدو متحمسة لمسار تفاوض سريع، إذ تؤكد إسرائيل أنها مستعدة للتفاوض تحت النار، من دون وقف الحرب قبل التوصل إلى اتفاق. وفي المقابل أعلنت الدولة اللبنانية بوضوح أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون محصورًا بيدها.
وأوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الدولة اللبنانية تحاول تقديم تعهدات أو ضمانات في وقت يشكك فيه المجتمع الدولي بقدرتها على تنفيذها، خصوصًا بعد أن ظهر حزب الله قادرًا على التحرك عسكريًا رغم كل التصريحات السابقة عن ضبط الوضع جنوب الليطاني.
وأضاف يوسف أن التطورات الميدانية تشير إلى احتمال توسع السيطرة الإسرائيلية داخل الجنوب لمسافة تتراوح بين 5 و15 كيلومترًا، مع إمكانية تحويل المنطقة إلى شريط حدودي واسع، مشيرًا إلى أن السيناريوهات قد تصل إلى عمليات برية أعمق وربما إلى مناطق أبعد مثل مدينة صور.
وفي ما يتعلق بما أثير حول ما يسمى بـ"الضباط الوطنيين" داخل الجيش، اعتبر يوسف أن بيان قيادة الجيش كان واضحًا في رفض أي تصنيف من هذا النوع، مؤكدًا أنه لا يوجد ضباط وطنيون وآخرون غير وطنيين. لكنه رأى أن نشر مثل هذه الرسائل يهدف إلى الضغط على الجيش ومحاولة إحداث انقسام داخله.
وختم يوسف بالقول إن غالبية الضباط في المؤسسة العسكرية تدرك أن الخروج عن الجيش أو الانقلاب عليه في هذه المرحلة يُعد خيانة وطنية كبرى، مؤكدًا أن أكثرية اللبنانيين تقف اليوم إلى جانب الدولة ومؤسساتها، ما يجعل أي محاولة لإحداث انقسام داخل الجيش أمرًا شديد الصعوبة.