تشهد الأيام الأخيرة توترًا متصاعدًا على المستوى الإقليمي بين إيران وإسرائيل، مع تحركات مستمرة للولايات المتحدة، بما فيها طلب إجلاء رعاياها من لبنان، وتصاعد خطاب التصعيد عبر الشاشات ووسائل الإعلام. في ظل هذه الأجواء، يعيش اللبنانيون حالة من القلق والترقب، وسط استمرار الضربات والهجمات في مناطق متفرقة من البلاد، ما يزيد المخاوف من تداعيات محتملة على الأمن الداخلي والاستقرار.
فإلى أي مدى يمكن للبنان الصمود أمام تصاعد التوترات الإقليمية والخطر على الأمن الداخلي؟
في هذا السياق، أكّد مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس أنّ ما حصل من تحركاتٍ لإجلاء رعايا الولايات المتحدة في لبنان لا يُعدّ إجلاءً بالمعنى الحرفي، بل تدابير احترازية روتينية تُتخذ في لحظات التوتر الإقليمي، كما جرت العادة في مناسبات سابقة، مشيرًا إلى أنّ لبنان في هذه المرحلة خارج العاصفة التي قد تندلع على جبهة إيران، خصوصًا وأنّ القدرات العسكرية لحزب الله باتت شبح معدومة بفعل الاستنزاف والضربات.
وأَشَارَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ الوضع الراهن في لبنان لا يشكل تهديدًا بحرب نظامية، بل في عمليات إرهابية قد تحص هنا أو هناك، مؤكّدًا أنّها لن تغيّر موازين القوى أو تفرض أي معادلات سياسية جديدة، بل ستزيد الخسائر وتعمّق العزلة، من دون أن تفتح أفقًا أو تصنع واقعًا جديدًا.
وأوضح جرمانوس أن ضبط الوضع الداخلي يرتكز بالدرجة الأولى على الالتفاف الشعبي حول الجيش اللبناني كضامن للاستقرار والسلم الأهلي وعلى رفضٍ واضح وصريح لأي اقتتال ديني أو مذهبي مهما كانت الذرائع والإستفزازات، مشدّدًا على أنّ الوعي الجماعي يبقى العامل الحاسم في منع الإنزلاق إلى الفوضى.
وأشار إلى أَلَّا خطر من اندلاع حربٍ أهليّة في لبنان حتى الساعة، مبيّنًا أنّ التوازنات الداخلية، على الرَّغمِ مِن هَشَاشَتِهَا، لا تزال تميل إلى ضبط النفس وأنّ وعي الشعب بالإرهاق من الحروب والانقسامات يشكل رادعًا أمام أي مغامرة داخلية. وشَدَّدَ على أهمية تثبيت الثقة بالمؤسسات الشرعية وتجفيف كل خطاب تحريضي قد يعيد فتح جراح الماضي.
وعن دور حزب الله، رأى جرمانوس أَنَّهُ لم يعد هناك ما يمكن تسميته "حزب الله" بالمعنى العسكري والأمني الذي عرفناه سابقًا، موضّحًا أَنَّ الصورة تغيّرت والواقع تبدّل، وما كان يقدّم كقوّة فائقة التنظيم والتأثير لم يعد قائمًا بالشكل ذاته.
ولَفَت إلى أَنَّ المطلوب اليوم هو عقد تفاهمات عقلانية بين الطوائف المختلفة تحت رعاية الولايات المتحدة، بحيث تَبقَى حصرية السلاح بيد الدولة الشرعية، وفي المقابل، تُفتَح أبواب الاقتصاد الحقيقي من استخراج الغاز وتأمين الترانزيت عبر الأراضي السورية إلى استعادة خط أنابيب النفط العراقي إلى طرابلس، مُعتَبِرًا أَنَّ هذا التفاهم لا يشكل تنازلات متبادلة، بل تبادل مصالح مشروعة بين الأمن والاستقرار الاقتصادي، مقابل اندماج اقتصادي إقليمي، بما يتيح تحويل فائض القوة إلى فائض إنتاج، والخروج من منطق السلاح إلى منطق الدولة، وإلّا، وفق رأيه، سيبقى الجميع خاسرًا.
وقَالَ جرمانوس إِنَّ المطلوب من المؤسسات الأمنية والمالية هو فرض القانون حيثما أمكن، وفقًا للظروف الواقعية، موضحًا أنّه لا يُطلب منها الدخول في مواجهات عبثية أو القيام بمداهمات في مناطق معروفة بحساسيتها، فليس هذا الهدف ولا الطريق الصحيح. ولفت إلى أَنَّ المطلوب الآن، بشكل عاجل، هو ضبط اقتصاد التفلّت، مكافحة المخدرات، تبييض الأموال والبدء الجدي بإعادة بناء المؤسسات على أسس سليمة.
وأشار إلى أنّ فرض هيبة القانون يجب أن يبدأ من المساحات التي لا تخضع لأي بيئة حاضنة أو غطاء سياسي، حيث يمكن للدولة أن تتحرك بثقة ومِن دُونِ تكاليف أمنية كبرى، معتبرًا أنّ الدولة لا تُستعاد بضربة واحدة، بل من خلال تراكم خطوات حازمة وذكية: حيث يمكن أن تعمل، يجب أن تفعل، وحيث لا تستطيع، يجب أن تُحضّر. وحَذَّرَ مِن أنّ أي تقاعس يُعدّ بمثابة تواطؤ مقنع باسم الواقعية.