March 05, 2026   Beirut  °C
سياسة

اتفاقية ثنائية بين بيروت ودمشق: هل يُنصف السجناء السوريين في لبنان؟

بعد سنواتٍ طويلة من الاعتقال، شهدت قضية السجناء السوريين في لبنان تحوّلًا مهمًا مع توقيع اتفاقيةٍ ثنائية بين بيروت ودمشق لنقل عدد من المحكومين إلى سوريا. هذه الاتفاقية تمثل مخرجًا جزئيًا لفئة من المعتقلين الذين وُجّهت إليهم اتهامات على خلفية ملفات مفبركة أو مواقف سياسية، بعد أن بَقِيُوا لسنوات بلا أي متابعة فعلية من السلطات اللبنانية.

واللافت أنّ الثنائي الشيعي في لبنان لم يعترض على هذه الاتفاقية ووافق عليها، ما يطرح تساؤلات مباشرة حول دوافع موافقتهم، وما إذا كانت هذه الموافقة جاءت، وفق بعض المصادر، مقابل السماح بنقل سجناء تابعين لحزب الله من السجون السورية إلى لبنان. ويثير هذا التساؤل نقاشًا حول حدود الاتفاقية ومفاعيلها المحتملة على ملفات السجناء الآخرين، سواء السوريين أو اللبنانيين، في غياب أي توضيح رسمي.

في هذا السياق، أكّد المحامي محمد صبلوح أَنَّ مجلس الوزراء اللبناني أقرّ اتفاقية نقل المحكومين السوريين، في وقتٍ كان يتراوح عدد السجناء السوريين في السجون اللبنانية بين 2200 و2500 سجين، مُوضِحًا أَنَّ هدف الدولة السورية لم يكن استعادة جميع السجناء دفعة واحدة، بل التركيز في المرحلة الأولى على فئةٍ محددة، لا سيّما معتقلي الرأي الذين فُبركت بحقهم ملفات من قبل الأجهزة الأمنية والقضاء العسكري في لبنان واتُّهِمُوا بالإرهاب.

 

ولَفَت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ اختيار هذه الفئة تحديدًا يعود إلى مفارقة واضِحَة، إذ إنّ أشخاصًا كانوا في السياق السياسي والأمني نفسه أصبحوا اليوم وزراء، سؤولين، محافظين وضباطًا في سوريا، فيما لا يزال رفاقهم داخل السجون اللبنانية متّهمين بالإرهاب، ما شكّل عبئًا سياسيًا وإنسانيًا على الدولة السورية ودفعها إلى إعطاء هذا الملف أولوية قصوى.

 

ورَأى صبلوح أَنَّ الاتفاقية التي أُقرّت جاءت كمخرج أساسي لمعالجة هذا الملف، وتشمل في مرحلتها الأولى نحو 260 سجينًا وفق شروطٍ مُحَدَّدَة، مُشيرًا إلى أَنَّ بعض هؤلاء محكومون بعقوباتٍ تصل إلى سبع سنوات أو المؤبّد، وكان لبنان قد اشترط سابقًا استكمال تنفيذ الأحكام داخل سوريا، إلا أنّ الدولة السورية رفضت التدخل في سيادتها وقرّرت عدم إبقائهم في السجن وعدم تنفيذ العقوبة هناك، في خطوةٍ تهدف إلى إنهاء معاناتهم ومعاناة عائلاتهم، والتأكيد على أنّها لم تتخلَّ عن أبنائها، لا سيّما أولئك الذين ساهموا في إسقاط نظام بشار الأسد.

 

وكَشَفَ أَنَّ المفاوضات بين الوفدين القضائيين اللبناني والسوري شهدت توترًا وخلافات حادّة، إذ حاول الوفد اللبناني التمسك بموقفه ورفض الاعتراف بوجود فبركاتٍ في الملفات القضائية، في حين واجه الوفد السوري هذا الموقف بأدلّةٍ ومستندات تثبت حصول فبركات بحق سوريين ولبنانيين، لا سيّما المعارضين للنظام السوري. واستمرت هذه المفاوضات إلى أن صدر قرار حاسم من الرئيس السوري أحمد الشرع بعدم توقيع أي اتفاقية مع لبنان قبل معالجة ملف معتقلي الرأي السوريين.

 

وفي ما يخصّ السجناء السوريين المتهمين بجرائم جنائية، كالقتل والمخدرات والتزوير وغيرها، أَشَار صبلوح إلى أَنَّهُم لا يشكّلون أولوية للدولة السورية في المرحلة الراهنة، إذ ستُعالج أوضاعهم لاحقًا وعلى مراحل، مع استكمال محكومياتهم داخل سوريا.

 

أما لناحية آلية التنفيذ، فَأَوضَحَ أَنَّ الاتفاقية ستُنفّذ في خِلالِ مُهلَةٍ أَقصَاهَا ثلاثة أشهر بالنسبة إلى الدفعة الأولى، على أن يُنقَل السجناء على مراحل، فيما تتكفّل الدولة السورية كامل التكاليف اللوجستية المرتبطة بعملية التسليم.

 

وأشار إلى أنّ مفاعيل الاتفاقية لا تقتصر على هذه الدفعة، بل تمتد إلى المرحلة المقبلة، بحيث يُسلَّم أي سجين تنطبق عليه الشروط فور صدور الحكم أو انتهاء محكوميته، على أن يتولى الوفدان القضائيان اللبناني والسوري متابعة التنفيذ ومراقبته، بإشراف مباشر من وزارتي العدل في البلدين، لضمان الالتزام الكامل ببنود الاتفاقية ومنع أي خرق.

 

وعلى صعيد العفو العام في لبنان، شَدَّدَ على أَنَّ الدولة اللبنانية غير جديّة في هذا الملف منذ نحو 19 عامًا، إذ اصطدمت كل المبادرات بالمحاصصة الطائفية والحسابات السياسية، لا بالاعتبارات الإنسانية، مُشيرًا إلى أَنَّ السجون اللبنانية تعيش واقعًا كارثيًا، في ظل اكتظاظ يتجاوز 300 في المئة من قدرتها الاستيعابية، ما أدى إلى وفاة 46 شخصًا في العام 2025 نتيجة الانتحار أو الإهمال الطبي، إضافة إلى ستة سجناء في خلال شهر واحد فقط مِنَ العام 2026، من دون أي تحرّك فعلي من الجهات المعنية.

 

وكَشَفَ صبلوح أَنَّهُ واكب هذا الملف مع رئيس الحكومة، واضعًا إيّاه في أجواء الفبركات، الانتهاكات ومعاناة السجناء، وكان قد تلقّى وعدًا في مرحلة سابقة بعدم استكمال أي اتفاقية مع سوريا قبل معالجة ملفات السجناء اللبنانيين. إِلَّا أنّه، وفي خِلالِ زِيَارَةٍ قَامَ بِهَا للرَّئيس سلام قَبلَ أَيَّام، أبلغه صراحةً بأنّ الأمر لم يعد بيده.

 

وأَكَّدَ أنّ هذه الاتفاقية ما كانت لتُوقَّع لولا الضغط المباشر الذي مارسه الرئيس أحمد الشرع، مُتَسَائِلًا عمّا إذا كان تحرير ضمير المسؤولين في لبنان يحتاج دائمًا إلى ضغط خارجي لإنقاذ حياة الأبرياء والمعتقلين داخل السجون اللبنانية.

اتفاقية ثنائية بين بيروت ودمشق: هل يُنصف السجناء السوريين في لبنان؟
اتفاقية ثنائية بين بيروت ودمشق: هل يُنصف السجناء السوريين في لبنان؟ - 1