تشهد الساحة السياسية اللبنانية تصعيدًا متدرجًا في أساليب تعاطي حزب الله مع مسار الدولة المتعلق بقرارات حصر السلاح وبمواقف رئاستي الجمهورية والحكومة الداعمة لهذا التوجه.
فالحزب الذي اعتاد في مراحل سابقة اللجوء إلى أشكال ضغط ميدانية مباشرة، انتقل في المرحلة الراهنة إلى اعتماد وسائل مختلفة، تمثلت في حملات سياسية وإعلامية منظمة، شارك فيها إعلاميون وناشطون محسوبون عليه، استهدفت بشكل مباشر رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، على خلفية تمسكهما بخيار حصر السلاح بيد الدولة.
ويأتي هذا التصعيد في أعقاب خطاب عالي النبرة للأَمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، لَوَّحَ فيه باحتمالات خطيرة على الاستقرار الداخلي، مُهَدِّدًا بتحطيم لبنان في حال لُمِسَ بِسلاح حزبه، ما اعتبره مراقبون رسالة واضحة تتجاوز الإِطار السياسي إلى التلويح بالفوضى.
وفي هذا السياق، تُطرَح تساؤلات جدية حول ما إِذَا كانت هذه الممارسات تشكل مُجَرَّد ضغوط إعلامية ظرفية أَم أَنَّهَا تمثل بروفة مبكرة لما قد يشهده الداخل اللبناني في حال أصرت الدولة على المُضي قُدُمًا في تنفيذ خطة حصر السلاح، لا سيما في منطقة شمال الليطاني، بما يعكس نيات الحزب وخياراته في مواجهة هذا المسار.
في قراءته لنوايا الحزب المبيتة للداخل اللبناني، اعتبر النائب السابق الدكتور فارس سعيد أَنَّ خروج حزب الله من منطقة جنوب الليطاني يشكل بداية مرحلة جديدة أَكثَر تَعقِيدًا، مُوضِحًا أَنَّ المرحلة الثانية تتمثل بخروج الحزب إلى ما بعد شمال نهر الأولي.
ورَأى عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّه في حال تحقق هذا الانسحاب، سيسعى بمختلف الوسائل السياسية، الإعلامية، الشعبية والأهلية إلى فرض معادلة جديدة تقوم على المقايضة بين سلاحه وبين مكتسبات دستورية وسياسية.
وأَشَارَ سعيد إلى أَنَّ الحزب سيحاول مخاطبة اللبنانيين على أَسَاس أَنَّ سِلَاحَهٌ يشكل ضمانة لوجوده واستمراره، معتبرًا أَنَّهُ في حال المطالبة بنزع هذا السلاح، فإنَّهُ سيطالب بضمانات بديلة تحل مكانه.
وأَكَّدَ أَنَّ هذه الضمانات، بحسب تصور الحزب، يجب أَن تكون مكرسة في الدستور اللبناني، ما يجعل الصراع الحقيقي في المرحلة المقبلة صراعًا دستوريًا بامتياز.
وأَوضَحَ سعيد أَنَّهُ كان ولا يزال يعتقد أَنَّ كُلّ ما يحصل من تصعيد سياسي، اعتراضات وتحضير لمعركة كبرى، يَصبّ في خانة المواجهة حول الدستور اللبناني واتفاق الطائف في وجه حزب الله.
وشَدَّدَ على أَنَّ الدستور هو المرجعية الوحيدة التي تنظم العلاقات اللبنانية الداخلية، سواء بين اللبنانيين بعضهم ببعض أَو بينهم وبين الدولة اللبنانية، مُؤكِّدًا أَنَّه لا يمكن القبول بفرض أَي مكسب أَو إِرضاء سياسي مقابل سلاح الحزب.
ودعا سعيد إلى موقف وطني جامع تشارك فيه كُلّ الأحزاب، الشخصيات والتيارات السياسية، يقوم على أَولوية الدستور في مواجهة سلاح حزب الله.
ولفت إلى أَنَّ الحزب سيقدم ضمانات أَمنِيَّة لِإِسرائيل من خلال انسحابِهِ إلى شمال الليطاني وشمال الأولي، لكنه في المقابل سيحاول فرض مقايضة داخلية على الساحة اللبنانية، الأَمِر الذي يستوجب الاستعداد المبكر لهذه المرحلة.
وأَكَّدَ سعيد أَنَّ عُنوان المرحلة المقبلة، سواء في فترة الانتخابات أَو قبلها أَو بعدها، يجب أَن يكون وَاضِحًا ويتمثل بالدستور في مواجهة السلاح.
وردًّا على سؤال حول قدرة الحزب على فرض شروطه في الداخل عبر القوة العسكرية، رَأى أَنَّ هناك مبالغة في التهويل حول إِمكَانِ تدمير لبنان، مُعتَبِرًا أَنَّ الحزب غير قادر على السيطرة الكاملة على البلاد، لكنه سيحاول فرض شروط سياسية محددة.
وشَدَّدَ سعيد على أَنَّ وجود مصلحة وطنية لبنانية صافية تقتضي التمسك بالدستور اللبناني كما هو، من دون أَي صيغ بديلة، في مواجهة سلاح حزب الله، مُعتَبِرًا أَنَّ هذه المعركة الدستورية تشكل معركة وطنية بامتياز وأَنَّ لبنان قادر على كسبها كما كسب محطات وطنية سابقة.