قد يكون الحديث عن الحكومة المقبلة سابقًا لأوانه، في ظلّ الضبابية التي لا تزال تحيط بمصير الانتخابات النيابية، سواء لجهة حصولها في شهر أيار المقبل أو في الحدّ الأدنى تأجيلها إلى الصيف وتحديدًا إلى تموز. ويزداد هذا الغموض مع عامل بالغ الخطورة يتمثّل بإمكان توسّع المواجهة العسكرية مع إسرائيل، وهو سيناريو، إن حصل، قد يفرض تأجيل الانتخابات كليًا ويدخل البلاد في مرحلة سياسية استثنائية مفتوحة على كل الاحتمالات.
ومع ذلك، وفي حال حصلت الانتخابات ضمن أي من هذه المهل، بدأ التداول السياسي يتّجه تدريجيًا نحو إعادة طرح اسم نواف سلام على رأس الحكومة المقبلة. هذا التداول لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى قراءة تعتبر أنّ المرحلة المُقبِلَة ليست مرحلة إدارة أزمة فحسب، بل مرحلة استكمال لمسار يفترض أن يركّز على الإصلاح، إعادة انتظام المؤسسات وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، وهي عناوين يُنظر إلى سلام على أنّه تعامل معها بثبات ووضوح في خلال تجربته السابقة.
في هذا الإطار، تتحدّث أوساط سياسية عن دعم عربي ودولي محتمل لعودة سلام، انطلاقًا من دقّة المرحلة وحاجتها إلى شخصية تحظى بثقة الخارج ولا تُصنَّف ضمن منطق التسويات التقليدية. كما يُطرح سيناريو غير مألوف في الحياة السياسية اللبنانية، يقوم على إمكان مساهمة سلام، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تكوين كتلة نيابية تلتقي حول مشروعه، إلى جانب نواب سبق أن سمّوه في المرحلة الماضية، ويعتبرون أنّ ما بدأه لم يُستكمل بفعل العراقيل السياسية لا بسبب ضعف الأداء.
وفي موازاة ذلك، يبرز عامل غالبًا ما يُقَلَّل مِن شأنه في الإعلام، وهو طبيعة العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. فبعكس ما يُشاع، تؤكّد مصادر مطّلعة أنّ العلاقة بين نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون علاقة ممتازة وقائمة على إدراك مشترك لدقّة المرحلة وعلى تقاطع واضح في العناوين الكبرى، لا سيّما في ما يتعلّق بشعار الدولة، انتظام المؤسسات وعدم القبول بمنطق ازدواجية القرار.
مع ذلك، يبقى أنّ الانتخابات النيابية، في حال حصولها، وما ستفرزه من توازنات ووجوه جديدة، ستكون العامل الحاسم في تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل. فشكل المجلس النيابي الجديد وحجم القوى السيادية والإصلاحية فيه، سيحدّدان اتجاه الاستشارات النيابية أكثر من أي دعم خارجي منفرد، مهما كان حجمه.
في المقابل، لا يبدو أنّ الطريق أمام عودة نواف سلام ستكون سهلة. فنواب حزب الله وحلفاؤهم، لا سيّما الثنائي الشيعي، يُتوقَّع أن يرفضوا بقوّة إعادة تكليفه وأن يخوضوا معركة سياسية لمنع تسميته، عبر الدفع باتجاه إعادة تكليف نجيب ميقاتي أو أي شخصية قريبة منهم، تعيد إنتاج صيغة حكومية أقلّ صدامًا معهم في ملفات السيادة والسلاح. ويُذكَّر هنا بأنّ ثلاث دول من المجموعة الخماسية كانت في المرحلة السابقة تميل إلى خيار ميقاتي، قبل أن يقلب عدد من النواب المشهد ويسمّوا نواف سلام، في خطوة اعتُبرت حينها كسرًا للتوازنات التقليدية.
أداء نواف سلام في خلال المرحلة الماضية يوصف، حتى من قبل خصومه غير المباشرين، بأنّه أداء ثابت وغير متردّد، خصوصًا في ما يتعلّق بالإصلاح وبسط سلطة الدولة ورفض المساومات البنيوية. هذا الأداء يتماهى إلى حدّ كبير مع خطاب القسم الرئاسي، حيث رفع الرجلان شعار الدولة كمرجعية وحيدة، في مواجهة منطق التسويات الرمادية والوقائع المفروضة بالقوة.
بناءً عليه، فإنّ الحديث عن عودة نواف سلام إلى رئاسة الحكومة ليس مجرّد تمنٍّ سياسي ولا قرارًا محسومًا، بل احتمال واقعي يرتبط بثلاثة عوامل أساسية: مصير الانتخابات النيابية، شكل المجلس النيابي المقبل وميزان القوى بين مشروع الدولة ومشروع التعطيل. وحتى تتّضح هذه العوامل، سيبقى اسم سلام حاضرًا في النقاش السياسي، لا كخيار تقني عابر، بل كعنوان لصراع أعمق على هوية المرحلة المقبلة واتجاه الدولة اللبنانية.