January 18, 2026   Beirut  °C
سياسة

هل يضع خطاب السلاح لبنان مجددًا على حافة الخطر؟

لم يكن موقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي أكّد فيه أنّ الحزب لن يسلّم سلاحه، مجرّد تصريح عابر، بل صدر في توقيت سياسي شديد الدقّة، ما جعله يُقرأ كرسالة سياسية مباشرة، ولا سيّما أنّه جاء بعد مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون التي حدّد فيها بوضوح ملامح المرحلة المقبلة، واضعًا حصرية السلاح بيد الدولة في صلب مشروع إعادة بناء السيادة وانتظام المؤسسات.

هذا التزامن جعل من موقف الشيخ قاسم، في نظر كثيرين، ردًا صريحًا على المقاربة الرئاسية الجديدة، ومحاولة لتثبيت معادلة تقوم على استمرار الأمر الواقع، في لحظة داخلية وإقليمية تشهد تحوّلات عميقة. فالتأكيد على عدم تسليم السلاح لا يعكس مقاربة جديدة بقدر ما يعيد إنتاج خطاب مألوف، يتعامل مع الواقع اللبناني وكأنّ الانهيار الاقتصادي، والعزلة السياسية، وتآكل مؤسسات الدولة، لم تفرض إعادة نظر جدّية في الخيارات الكبرى.


في المقابل، لم يأتِ خطاب رئيس الجمهورية من باب المواجهة أو الاستفزاز، بل من منطلق إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسياسي، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي استقرار حقيقي. وهو طرح يجد صداه لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين باتوا يرون في ازدواجية السلاح أحد أبرز أسباب الانكشاف الوطني، لا عنصر حماية له.


وقد ذهب بعض المراقبين إلى اعتبار أنّ كلام الشيخ نعيم قاسم يؤكّد ما تروّجه إسرائيل، ويمنح رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ذريعة إضافية لتبرير أي تصعيد عسكري ضد لبنان. غير أنّ القراءة الواقعية تشير إلى أنّ إسرائيل لا تحتاج أصلًا إلى ذرائع، إذ إنّ قراراتها العسكرية لطالما ارتبطت بحساباتها الداخلية والإقليمية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ الخطاب العلني الرافض لأي مسار سيادي يسهّل المهمة السياسية والإعلامية لإسرائيل، ويُضعف موقع لبنان في المحافل الدولية، حيث تُقاس الدول بمدى وحدة قرارها وقدرتها على ضبط السلاح ضمن مؤسساتها الشرعية.


الإشكالية الأساسية تكمن في التناقض بين منطقين: منطق يعتبر السلاح ضمانة ردع، ومنطق يرى في الدولة وحدها الضمانة الفعلية. فقد أظهرت التجربة اللبنانية خلال السنوات الماضية أنّ هذا السلاح، مهما كانت نيات حامليه، لم يمنع الانهيار، ولم يجنّب البلاد العزلة والضغوط، ولم يحمِ اللبنانيين من تداعيات الانكشاف الداخلي والخارجي.


وفي المقابل، يطرح منطق الدولة سؤالًا بديهيًا: كيف يمكن لدولة أن تحمي شعبها، أو تفاوض باسمهم، أو تستعيد ثقة الخارج، فيما قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الدستورية؟

في هذا السياق، لا يُقرأ موقف الشيخ نعيم قاسم فقط كتمسّك بالسلاح، بل كرسالة سياسية مزدوجة: رسالة إلى الداخل مفادها أنّ أي مشروع سيادي لا يمكن أن يتقدّم من دون موافقة الحزب، ورسالة إلى الخارج بأنّ ميزان القوى الداخلي لم يتغيّر بعد.


غير أنّ الواقع يشير إلى أنّ لبنان يقف اليوم أمام مرحلة مختلفة، عنوانها ضغط داخلي متزايد، ورأي عام يبحث عن الاستقرار، ومجتمع دولي يربط أي دعم أو إعادة إعمار بحصرية السلاح وبسيادة غير منقوصة.


وعليه، يبدو لبنان أمام مفترق حاسم: إمّا الاستمرار في إدارة التناقض بين الدولة والسلاح، بما يحمله ذلك من مخاطر دائمة واحتمالات تصعيد مفتوحة، وإمّا تطبيق خطة حصرية السلاح التي قدّمها الجيش اللبناني ووافقت عليها الحكومة.


قد يظنّ الشيخ نعيم أنّ خطابه الأخير يطمئن جمهور الحزب، لكنّه في الواقع يعرّضهم لمخاطر قد لا يستطيع أحد إنقاذهم منها، كما يضع لبنان كلّه أمام احتمالات خطيرة، سواء على صعيد الداخل أو في مواجهة الضغوط والتحدّيات الخارجية.