في توقيت حرج تمرّ به إيران على وقع انهيار مالي واقتصادي شديد، مع احتجاجات شعبية متصاعدة في معظم المدن والمحافظات، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت يرافقه وفد اقتصادي، في خطوة أثارت انتقادات واسعة. فقد اعتبر مراقبون أن اصطحاب وفد اقتصادي إلى دولة أخرى، بينما يعاني وطنه من أزمات خانقة، يُعدّ رسالة استخفاف بالأوضاع الداخلية وتهديدًا للطبقة السياسية والرأي العام في لبنان.
كما تشير معلومات غير مؤكدة إلى أن عراقجي أحضر معه عائلته، إلى جانب عائلة السفير الإيراني الجديد محمد رضا رؤوف شيباني في لبنان، ما يُفسَّر على أنه مؤشر على عدم ثقة المسؤولين الإيرانيين بقدرة نظامهم على الاستمرار، وربما انعكاس لاحتمالية اقتراب موعد سقوطه، في الوقت الذي يسعى فيه النظام إلى تثبيت نفوذه في لبنان عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية.
في هذا السياق، قال مدير تحرير موقع "أساس ميديا" الصحافي محمد بركات إن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت في هذا التوقيت تطرح علامات استفهام كبرى، لا سيما أنها تأتي بالتزامن مع انهيار اقتصادي شامل في إيران واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في العاصمة ومعظم المحافظات بسبب الجوع والفقر.
وأوضح بركات عبر منصّة "بالعربي" أن ما تشهده إيران اليوم غير مسبوق، إذ لم تعد الاحتجاجات محصورة بالطبقات الفقيرة أو المناطق الريفية، بل إن الطبقة الوسطى وحتى شريحة من الأثرياء في البازار باتوا يشاركون في التظاهرات، ما يعكس فقدان الثقة الكامل بقدرة النظام على إدارة البلاد أو حماية المصالح الاقتصادية لمواطنيه.
وأشار إلى أن هذه الانتفاضات ليست جديدة، بل تتكرر منذ أكثر من 20 عامًا، ما يؤكد وجود أزمة بنيوية عميقة في النظام.
واعتبر بركات أن وصول وزير خارجية إيران إلى لبنان على رأس وفد اقتصادي يحمل في طياته استخفافًا بالطبقة السياسية اللبنانية وبالرأي العام اللبناني، خصوصًا أن بلدًا عاجزًا عن إطعام شعبه لا يمكنه أن يقدم نفسه داعمًا اقتصاديًا لدولة أخرى. ورأى أن على الرؤساء الثلاثة ووزير الخارجية اللبناني عدم منح هذه الزيارة أي شرعية سياسية، لا سيما بعد التصريحات التي أدلى بها عراقجي في بيروت، والتي تضمنت تحريضًا مباشرًا على الحرب وإعلانًا صريحًا للدعم العسكري والمالي لحزب الله.
ولفت بركات إلى أن هذه التصريحات تشكل خرقًا فاضحًا للأعراف الدبلوماسية، إذ لا يجوز لوزير خارجية دولة أجنبية أن يعلن من بيروت دعمه لحزب اتخذ قرار الحرب من دون الرجوع إلى الدولة اللبنانية أو مواطنيها، في وقت تتحمل فيه الحكومة اللبنانية اليوم مسؤوليات إعادة الإعمار والتعويضات الناتجة عن حرب لم تكن شريكة في قرارها.
وشدد على أن الثابت من زيارة عراقجي هو استغلال الغطاء الدبلوماسي لإدخال أموال إلى لبنان بهدف تمويل الحلفاء، وفي مقدمهم حزب الله وحركة أمل، في مؤشر واضح إلى محاولة إعادة إحياء التحالف الثنائي الشيعي.
وأضاف بركات أن على الدولة اللبنانية رسميًا إدانة العنف الذي تمارسه السلطات الإيرانية ضد شعبها، انطلاقًا من واجب أخلاقي وإنساني قبل أي اعتبار سياسي، مؤكدًا أن القمع الدموي للاحتجاجات يكشف طبيعة نظام يستخدم القتل والقوة ضد مواطنيه وضد شعوب المنطقة.
في ما يخص اصطحاب عراقجي لعائلته وعائلة السفير الإيراني الجديد إلى لبنان بهدف الاستقرار فيه، قال بركات إن الحديث عن اللجوء السياسي لهذه العائلات يعتمد على القوانين الدولية المتعلقة به. لكنه أشار إلى أن صحة هذه المعلومات، إذا تأكدت، قد تعكس قلق المسؤولين الإيرانيين بشأن استمرارية نظامهم وعدم الثقة بمستقبله، على الرغم من أن النظام ما زال يسعى لتثبيت نفوذه في لبنان عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية.
وفي ما خص وقف الرحلات الجوية من تركيا ودبي إلى إيران، رأى بركات أن الأمر قد يكون إجراءً احترازيًا أو تحذيرًا أمنيًا مبنيًا على معطيات استخباراتية، لكنه أشار إلى أن مثل هذه القرارات اتُّخذت سابقًا في دول عدة من دون أن تتبعها تطورات عسكرية فعلية.
وختم بركات بالتشديد على أن لبنان ليس في موقع يسمح له بتلقي دروس أو وعود اقتصادية من نظام يعجز عن تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم لشعبه.

