لا يمكن مقاربة زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت بوصفها محطة دبلوماسية اعتيادية، ولا كمجرد تبادل مجاملات سياسية بين دولتين. فالتوقيت، السياق الإقليمي والملفات المطروحة على طاولة القرار اللبناني، كلها عوامل تجعل من الزيارة حدثًا سياسيًا بامتياز، محمّلًا برسائل تتجاوز الشكل البروتوكولي إلى مضمونٍ ضاغط ومباشر.
اللافت أن الزيارة أتت بالتزامن مع جلسة مفصلية لمجلس الوزراء، خُصّصت لمناقشة المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح، الممتدة من شمال الليطاني إلى الأوّلي. وهي مرحلة شديدة الحساسية، لا من حيث الجغرافيا فحسب، بل لما تحمله من تداعيات سياسية وأمنية تمسّ جوهر التوازنات الداخلية، وتحديدًا موقع حزب الله ودوره في المعادلة اللبنانية.
تزامُن الزيارة مع هذه الجلسة لا يبدو صدفة. فإيران تدرك أن لبنان يقف عند مفترق دقيق وأن أي تقدّم فعلي في مسار حصرية السلاح سيعني انتقالًا من مرحلة "الإدارة المؤجّلة للأزمة" إلى مرحلة القرار السيادي الصريح. من هنا، تُقرأ الزيارة كرسالة سياسية مزدوجة: دعمٌ معنوي لحلفائها ومحاولة تأثير غير مباشر على مسار النقاش الحكومي في لحظة اختبار.
وتتضاعف دلالات الزيارة في ظل النكسة التي تلقّاها المحور الذي تقوده إيران بعد سقوط النظام في فنزويلا، التي كانت تُعدّ إحدى ركائز الدعم المالي والسياسي لهذا المحور. هذا التطور لم يكن تفصيلًا خارجيًا، بل أحدث ارتدادات داخلية واضحة لدى قوى المحور وترك أسئلة مفتوحة حول مستقبل شبكة التحالفات، التمويل والغطاء السياسي.
إقليميًا، تأتي زيارة عراقجي فيما تشهد إيران نفسها تحرّكات داخلية متصاعدة، بدأت تتّسع رقعتها يومًا بعد يوم. في المقابل، يراقب العالم بقلق تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لوّح بإجراءات حاسمة ضد النظام الإيراني في حال استمرار القمع، مشيرًا إلى أن أَميركا ستتدخّل مباشرة إذا تجاوزت الأحداث خطوطًا معيّنة.
في هذا السياق، تبدو زيارة بيروت جزءًا من جهد إيراني أوسع لإعادة شدّ العصب داخل "أذرع المحور"، وتوجيه رسالة طمأنة إلى الحلفاء، خصوصًا حزب الله، الذي تشير معطيات متعددة إلى أنه يمرّ بحالة إرباك سياسي واستراتيجي بعد تطورات فنزويلا والضغط المتزايد على طهران.
على الرَّغمِ مِنَ الطابع الرسمي للزيارة، فإن مضمونها لا ينفصل عن التوتر الذي شاب أَخيرًا العلاقة بين وزارتي الخارجية اللبنانية والإيرانية. فالمواقف المتبادلة بين الوزيرين، لا سيما إصرار وزير الخارجية اللبناني على فتح "صفحة جديدة" مع طهران بشروط واضحة ورفضه تلبية دعوة سابقة لزيارة إيران، مطالبًا بلقاء في بلد محايد، شكّلت سابقة دبلوماسية ذات دلالة.
هذا التباين لا يُقرأ فقط في إطار بروتوكولي، بل يعكس محاولة لبنانية - ولو محدودة - لإعادة ضبط العلاقة مع طهران ضمن سقف المصلحة الوطنية، بعيدًا عن الاصطفافات الحادة. من هنا، تحمل زيارة عراقجي محاولة احتواء هذا المسار، أو على الأقل كبح اندفاعه، في لحظة حسّاسة لبنانية وإيرانية على السواء.
ويذهب بعض المراقبين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن زيارة بيروت قد تكون واحدة من آخر الزيارات الرسمية الكبرى لعراقجي، في حال تسارعت التحركات داخل إيران أو تعرّض النظام لضربة خارجية مفصلية. في هذه القراءة، تتحول الزيارة إلى ما يشبه "جولة تثبيت مواقع" قبل مرحلة مجهولة المعالم، سواء لطهران أو لمحورها في المنطقة.
بين جلسة حكومية لبنانية مفصلية، محور إقليمي مأزوم وضغوط دولية متصاعدة على إيران، تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت كحدث سياسي ثقيل الوطأة. هي زيارة رسائل أكثر مما هي دبلوماسية ومحاولة إمساك بخيوط تتفلّت تباعًا. أما لبنان، فيجد نفسه مجددًا ساحة اختبار: هل يكتفي بقراءة الرسائل أم يترجم لحظة التحوّل إلى قرارات سيادية لا رجوع عنها؟