January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

مخيّم الهرمل.. هل عدنا إلى دائرة الخطر؟

يُعيد الجدل المتصاعد حول مخيم اللاجئين في منطقة الهرمل فتح ملف بالغ الحساسية ويتجاوز الإطار الإنساني إلى أبعاد أمنية وسيادية معقّدة. فالمعلومات المتداولة عن طبيعة هذا المخيم، الجهات التي تشرف عليه واحتمال تحوّله إلى مساحة خارجة عن سلطة الدولة، تطرح علامات استفهام حول قدرة لبنان على ضبط حدوده الداخلية ومنع استخدام أراضيه كمنصة لتصفية صراعات إقليمية.

وفي ظلِّ الضغوط الدولية المتزايدة، لا سيما الفرنسية، وتقاطعها مع مطالب سورية بملاحقة مطلوبين متهمين بارتكاب جرائم حرب، يجد لبنان نفسه أمام اختبار جديد لسيادته، وسط مخاوف من تداعيات سياسية وأمنية قد تنعكس سلبًا على علاقاته الخارجية واستقراره الداخلي.

فكيف ستتعاطى الدولة اللبنانية مع هذا التحدي مُتعدد الأبعاد، في ظل تداخل الضغوط الداخلية والخارجية وتشابك الحسابات الإقليمية؟

في هذا الإطار رأى الكاتب والمحلّل السياسي نوفل ضو أنّ المنشأة التي أنشأها حزب الله في منطقة الهرمل تندرج بوضوح ضمن ما يُعرف بـ "المربّعات الأمنية" التي يعتمدها الحزب لتكريس نفوذه وتحويل مناطق مدنية إلى نقاط ارتكاز ذات طابع عسكري، مؤكدًا أنّ استخدام عناوين إنسانية أو مدنية لتغطية هذا النوع من المنشآت لا يغيّر من طبيعتها الفعلية، بل يزيد من خطورتها على المستويين الداخلي والخارجي.

 

واعتبر عبر مِنصّة "بالعربي" أنّ هذا السلوك، إلى جانب ممارسات مشابهة، أدخل لبنان في دائرة الخطر بشكل أوسع من السابق، إذ لم تعد إشكالية حزب الله محصورة بجنوب لبنان أو بالمنشآت العسكرية التقليدية، بل باتت تشمل أيضًا ملف إيواء مجموعات لبنانية وغير لبنانية خارجة عن القانون، من بينهم سوريون متهمون بارتكاب جرائم حرب ومطلوبون ليس فقط من الدولة السورية، بل أيضًا من جهات دولية.

 

وأشار ضو إلى أنّ ملاحقة المتورطين في جرائم الحرب لم تبدأ اليوم، إذ سبقت سقوط النظام السوري السابق وشهدت دول أوروبية عدة، كفرنسا وألمانيا، محاكمات بحق شخصيات سورية على خلفية هذه الجرائم.

 

وفي هذا السياق، لفت إلى أنّ وجود هؤلاء داخل الأراضي اللبنانية يضع الدولة أمام مسؤوليات قانونية وسياسية إضافية ويحوّل القضية إلى عبء جديد على علاقات لبنان مع المجتمع الدولي، مشيرًا إلى أنّ الضغوط الفرنسية على الحكومة اللبنانية في هذا الملف تتقاطع مع المطالب السورية، ما يضع لبنان تحت مجهر عربي ودولي متزايد.

 

وقال إِنَّ الحكومة وفق هذا المنطق، باتت مطالبة ليس فقط بتطبيق القرار 1701 ونزع سلاح حزب الله، بل أيضًا بتفكيك المخيمات والمعسكرات غير الشرعية ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصات للتخطيط أو الانطلاق بعمليات أمنية أو عسكرية مرتبطة بالصراع السوري.

 

وحذّر ضو من أنّ استمرار هذا الواقع يسيء بشكل مباشر إلى موقع لبنان الإقليمي والدولي ويُضعف قدرته على الدفاع عن نفسه في مواجهة الضغوط الخارجية. كما يطرح إشكاليات سيادية وإدارية أساسية، تبدأ من سؤال الترخيص القانوني لهذه المنشآت، مرورًا بمصادر الكهرباء والمياه والبنى التحتية التي تستخدمها، وصولًا إلى طبيعة الأراضي المقامة عليها، وما إذا كانت أملاكًا خاصة أو عامة أو مشاعات، وما إذا كانت قد وُضِعَت اليد عليها خارج الأطر القانونية.

 

وفي هذا الصدد، ربط هذه الممارسات بسياسة قديمة يعتمدها حزب الله تقوم على التمدّد التدريجي وتغيير طبيعة استخدام الأراضي، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تبدّل هوية المناطق، ملكيتها ووظيفتها، وهو ما يطرح تحديات قانونية وسياسية طويلة الأمد أمام الدولة اللبنانية.

 

إلى جانب البعد الأمني والسيادي، توقّف ضو عند التداعيات الديموغرافية والسياسية لهذا الملف، معتبرًا أنّ الخلل الديموغرافي القائم في لبنان، سواء بين الطوائف أو داخلها، يتغذّى من هذه الوقائع، لا سيما عندما ترتبط بهويات سياسية وعلاقات تاريخية مع النظام السوري السابق، وما خلّفه من جراح لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، من سنّة، مسيحيين ودروز، ممن سقط لهم ضحايا على يد الجيش السوري أو أجهزة النظام.

 

وخلص إلى أنّ مجمل هذه العوامل لا تصب في مصلحة لبنان، بل تضع الحكومة اللبنانية أمام مسؤوليات وتحديات إضافية في لحظة سياسية دقيقة، معتبرًا أنّ التحرّك الرسمي بات حتميًا لتفادي مزيد من الضغوط والعزلة، مشيرًا إلى أنّ الحكومة بدأت بالفعل خطوات أولية في هذا الاتجاه، فيما يبقى الرهان على كيفية تعاطيها مع هذا الملف في الأيام المقبلة، في ظل واقع داخلي هش وضغوط خارجية متصاعدة.

مخيّم الهرمل.. هل عدنا إلى دائرة الخطر؟
مخيّم الهرمل.. هل عدنا إلى دائرة الخطر؟ - 1