January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

لبنان في 2026: عام على حافة التحوّل أم الاستنزاف؟

لم يكن عام 2025 مجرّد سنة إضافية في سجل الأزمات اللبنانية، بل شكّل محطة مفصلية أعادت صياغة موقع لبنان داخل المعادلة الإقليمية. فالتداعيات السياسية، الأمنية والاقتصادية التي تراكمت في خلال هذا العام تجاوزت حدود الانهيار الداخلي، لتربط مصير البلاد مباشرةً بالتحوّلات الكبرى التي عصفت بالمنطقة منذ اندلاع حرب "طوفان الأقصى".

القرار الذي اتخذه حزب الله بالانخراط في الحرب لم يكن تفصيلًا عَسكَرِيًّا، بل مثّل لحظة مفصلية أدخلت لبنان في حرب طويلة ومكلفة، سياسيًا، بشريًا وعمرانيًا. الجنوب اللبناني دفع الثمن الأكبر، حيث دُمّرت قرى بأكملها وتضرّرت البنية الاجتماعية والاقتصادية بشكل غير مسبوق. والأخطر أنّ هذه الحرب أصابت حزب الله نفسه في عمق بنيته القيادية والعسكرية، مع سلسلة اغتيالات غير مسبوقة طالت رأس الهرم القيادي، بما في ذلك الأمينان العامان السيد حسن نصرالله و السيد هاشم صفي الدين، إضافة إلى قيادات الصفين الأول والثاني، ما شكّل ضربة استراتيجية للحزب لم يعرفها منذ عقود.

 

لم تقتصر الضربات على الساحة اللبنانية. فحركة حماس تلقّت بدورها ضربات موجعة باغتيال قادتها، كما تعرّضت أذرع إيران في العراق، اليمن ولبنان لاستهدافات متتالية، في إطار حرب إقليمية غير معلنة هدفت إلى تقويض شبكة النفوذ الإيرانية الممتدة من طهران إلى المتوسط.

 

غير أنّ الحدث الأبرز كان في سوريا، مع سقوط نظام بشار الأسد، وهو تطوّر أحدث كسرًا استراتيجيًا في توازنات المنطقة. فمنذ انسحاب الجيش السوري من لبنان بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005، انتقلت الوصاية عمليًا من دمشق إلى طهران، التي أحكمت قبضتها على القرار اللبناني وأدخلت البلاد في مشروع إقليمي لا يشبه بنيته التاريخية ولا محيطه العربي. سقوط النظام السوري أعاد فتح الباب أمام إعادة تموضع إقليمي، عنوانه تراجع النفوذ الإيراني وبداية عودة تدريجية للدول العربية إلى لعب دور مركزي في المنطقة.

 

في هذا السياق، اكتسبت القمة التي جمعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس الأول، دلالات خُصوصًا بالنسبة للبنان. فعلى الرَّغمِ مِن غياب أي إعلان مباشر، حمل كلام ترامب إشارات مقلقة حين وصف سلوك حزب الله بـ"السيّئ"، ما فُهم على أنّه تبرير سياسي مسبق لأي تصعيد إسرائيلي محتمل.

 

هذه العبارة منحت نتنياهو هامشًا أوسع للمناورة، في إطار سعيه إلى استكمال ما يعتبره "تفكيكًا للقدرات العسكرية المتبقية" للحزب. إلا أنّ المفارقة الأساسية تكمن في أنّ قرار الحرب في لبنان مرتبط بالقرار الإيراني، ما يجعل لبنان ساحة انتظار لما ستؤول إليه المواجهة الكبرى بين طهران وخصومها.

 

المشهد الإيراني الداخلي بات عنصرًا حاسمًا في رسم مستقبل لبنان. فالاحتجاجات المتصاعدة نتيجة الانهيار الاقتصادي وغلاء المعيشة كشفت هشاشة نظام يعاني من أزمات بنيوية عميقة. السيناريوهات المحتملة تتراوح بين سقوط تدريجي للنظام أو بقائه في حالة إنهاك طويل.

 

في حال سقوط النظام الإيراني أو تعرّضه لاهتزاز جذري، سيجد حزب الله نفسه أمام تحوّل استراتيجي غير مسبوق، يفقد فيه عمقه المالي، العسكري والسياسي. أمّا إذا طال أمد التآكل من دُونِ انهيار، فستحاول إيران استخدام الحزب كورقة ضغط في أي تسوية إقليمية مقبلة، ما يعني إبقاء لبنان رهينة مرحلة استنزاف مفتوحة، تتراوح بين تصعيد محدود وتهدئة هشة.

 

هذا الواقع سينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. فحالة اللااستقرار الأمني ستُبقي الاقتصاد في حالة شلل، وتؤجّل أي استثمار جدي، كما ستقوّض فرص الإصلاح المالي والنقدي. التعافي الاقتصادي في لبنان بات مشروطًا بعاملين واضحين: أمن مستقر، وهو غير متوافر حتى الآن، وإصلاحات بنيوية جدّية، وهي لا تزال تتحرّك ببطء شديد في ظل الانقسامات السياسية.

 

السياحة، التي يُعوّل عليها كرافعة إنقاذ موقتة، ستبقى رهينة المزاج الأمني، فيما سيواصل اللبنانيون دفع كلفة الانهيار الاجتماعي من مدّخراتهم ومستوى معيشتهم.

 

مع دخول العام 2026، ستتجه الأنظار إلى الانتخابات النيابية المفترض أَن تَحصَل في أيار. وحتى لو أُجِّلَت تَقنِيًا إلى تموز، فإن البلاد ستقضي النصف الأول من السنة في حالة تعبئة سياسية وانتخابية، والنصف الثاني في انتظار نتائجها وما ستفرزه من توازنات جديدة، يليها تشكيل حكومة جديدة وبيان وزاري يعكس موازين القوى المستجدة.

 

غير أنّ هذا المسار الدستوري يبقى هشًّا. فاندلاع حرب واسعة أو توسّع المواجهة قد يطيح بالاستحقاق الانتخابي بالكامل ويدخل البلاد في أزمة سياسية جديدة.

 

لبنان مقبل في 2026 على عام شديد التعقيد، يتأرجح بين احتمال التحوّل الكبير أو الغرق في استنزاف طويل. هو عام مفصلي، لا تُحدّد ملامحه في بيروت بقدر ما تُرسم في طهران، تل أبيب وواشنطن. وبين حرب محتملة، انتخابات غير مضمونة وإصلاحات بطيئة، يبقى لبنان دولة تنتظر التسويات الإقليمية أكثر مما تصنع مصيرها، فيما يدفع شعبه كلفة الانتظار من أمنه، اقتصاده ومستقبله.