في الأسابيع الأخيرة، عاد ملف الانتخابات النيابية إلى واجهة السجال السياسي، لكن هذه المرّة من زاوية مختلفة: التأجيل التقني من أيار إلى تموز. طرحٌ بدأ يتردّد كـ"مخرج" محتمل لأزمة انتخاب المغتربين، وسط تباين واضح بين المواقف المُعلَنة والرسائل الضمنية التي تُمرَّر في الكواليس.
رئيس مجلس النواب نبيه بري كان حاسمًا في العلن، مؤكّدًا أنّ الانتخابات ستحصل في موعدها الدستوري في أيار، في إشارة واضحة إلى رفض أي تعديل أو تأجيل تحت عناوين ملتبسة. لكن في المقابل، فتح كلام النائب وليد جنبلاط في إطلالته الأخيرة ضمن برنامج "صار الوقت" الباب أمام سيناريو مختلف، حين قال بوضوح إنّ الأمور قد تتّجه إلى تأجيل الانتخابات حتى شهر تموز. هذا الكلام لم يبقَ معزولًا، بل تعزّز أمس بتصريح النائب فريد البستاني، الذي تحدّث عن "كلام جدّي" حول تأجيل تقني إلى تموز، ما أعطى الانطباع بأنّ الفكرة لم تعد مجرّد اجتهاد إعلامي، بل باتت قيد التداول السياسي الفعلي.
لكن ماذا يعني عمليًا هذا التأجيل؟ أولًا، هو لا يُصنَّف دستوريًا كتأجيل سياسي أو تمديد للمجلس، بل يُسوَّق على أنّه تأجيل تقني مرتبط بالحاجة إلى معالجة ملف انتخاب المغتربين، لا سيّما الإشكالية القائمة حول المقاعد الستة المخصّصة لهم مقابل حقّهم بالاقتراع لـ128 نائبًا.
ثانيًا، التأجيل إلى تموز يعني عمليًا فتح سجال كبير في البلد بين مؤيّد ومعارض. فليس كل النواب متحمّسين لفكرة التأجيل، حتى لو كان تقنيًا. بعض الكتل ترى فيه سابقة خطيرة قد تُستخدم لاحقًا لتبرير تأجيلات أخرى، فيما تعتبر كتل أخرى أنّه أقلّ الأكلاف الممكنة مقارنةً بالدخول في اشتباك دستوري حول اقتراع المغتربين أو تعريض الانتخابات للطعن.
أما موقف "القوات اللبنانية"، فيُعدّ مفصليًا في هذا السياق. فالقوات، التي ترفع لواء الالتزام بالمواعيد الدستورية وترفض أي تمديد أو تأجيل خارج إطار الضرورة القصوى، قد تجد نفسها أمام خيار صعب: إمّا القبول بتأجيل تقني محدود ومُحدَّد زمنيًا إذا كان مرتبطًا حصريًا بضمان حقوق المغتربين ومنع ضرب العملية الانتخابية، أو الذهاب إلى مواجهة سياسية مفتوحة إذا شابت التأجيل شبهة التلاعب أو المقايضة السياسية. حتى الساعة، لا موقف رسميًا حاسمًا، لكن المؤشّرات توحي بأنّ أي تأجيل لن يمرّ من دون نقاش حادّ وشروط واضحة.
في المقابل، يبقى هاجس أمني يخيّم على المشهد. لوقتٍ طويل، كان الاعتقاد السائد أنّ أي ضربة إسرائيلية كبرى هي وحدها القادرة على فرض تأجيل الانتخابات قسرًا. اليوم، يبدو أنّ السياسة سبقت الأمن وأنّ التأجيل يُناقَش كخيار "منظَّم" لا كنتيجة ظرف طارئ. وهذا بحدّ ذاته تحوّل لافت، يطرح أسئلة جدّية حول قدرة الطبقة السياسية على الالتزام بالمواعيد الدستورية من دون أعذار، وحول ما إذا كان التأجيل التقني سيبقى تقنيًا فعلًا أم سيفتح شهية البعض على مزيد من التأجيل والمماطلة.
إنّ تأجيل الانتخابات من أيار إلى تموز، إن حصل، لن يكون تفصيلًا عابرًا. هو اختبار للثقة بين اللبنانيين ودولتهم، ولصدقية القوى السياسية التي لطالما رفعت شعار احترام الدستور. فإمّا أن يُقدَّم التأجيل كحلّ استثنائي، محدود ومُقنع وإمّا أن يُقرأ كخطوة أولى على طريق ضرب الاستحقاق الديمقراطي تحت عناوين تقنية، فيما الخطر الحقيقي يبقى أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة.