January 14, 2026   Beirut  °C
سياسة

بيتر جرمانوس: السلام مُقابِل بَقاء لبنان..وما حصل في العراق ليس خطأً

في حلقة جديدة من برنامج "تحدّي الـ15 سؤال" مع الإعلامي ربيع ياسين عبر منصّة "بالعربي"، قدّم مفوض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية السابق القاضي بيتر جرمانوس قراءة حادّة لمسار التطورات في العراق ولبنان والمنطقة، رابطًا بين قرار بغداد المتعثّر بشأن تصنيف "حزب الله" و"الحوثيين" على لوائح الإرهاب، وبين ما يصفه بـ"قرار دولي قيد التنفيذ لإخراج إيران من المشرق وإسقاط المنظومة السياسية التي رعتها".

العراق بين النفوذ الإيراني والقرار الأميركي

توقّف جرمانوس عند ما حَصَلَ في بغداد، بعد تداول خبر إدراج "حزب الله اللبناني" و"الحوثيين" على لوائح المنظمات الإرهابية لبضع ساعات، قبل سحب القرار والتذرّع بأن النسخة "غير منقّحة" وأن تحقيقًا فُتح في الملابسات.

برأيه، ما حصل ليس تفصيلًا إِدَارِيًّا، بل "إنذار أول" من الولايات المتحدة، مفاده بِأَنَّ مرحلة محاصرة الأذرع الإيرانية في العراق بدأت فعليًا. يوضح: في العراق "يوجد نفوذ إيراني، لكن لا توجد سيطرة إيرانية كاملة".

القرار سُحب – وفق تقديره – تحت ضغط إيراني وتهديد بالعنف، لكن تطبيقه المالي والعملي سيستمر، لأن المصارف العراقية والبنك المركزي لن تتحمّل مخاطر التعامل مع جهات مصنّفة إرهابية.

يستعيد جرمانوس تجربة جمال ترست بنك في لبنان، وما تلاها من تشديد أميركي على حركة التمويل المرتبطة بالحزب، معتبرًا أن السيناريو نفسه يُستنسخ اليوم في العراق.

ويشير إلى أن بغداد تقف اليوم بين "مطرقة الولايات المتحدة وسندان إيران"، لكنها في النهاية ستنفّذ الإرادة الأميركية، لأن أي خروج عن المنظومة المالية بالدولار سيعيد العراق – كما يقول – إلى مرحلة الحصار وما قبل سقوط نظام صدام حسين.

 

إخراج إيران من المشرق… ومسار تصاعدي ضد حزب الله

بحسب جرمانوس، قرار إخراج إيران من المشرق العربي قد اتُّخذ، وهو يُنفّذ تباعًا على مراحل:

في سوريا: يعتبر أن "إسقاط نظام الأسد" سياسيًا هو الضربة الأقوى لإيران، عبر عزله وإفقاده القدرة على لعب الدور السابق نفسه.

في لبنان: هناك تضييق متدرّج على "حزب الله" سيستمر ولن يتوقف، ومعه – برأيه – ستسقط الطبقة السياسية التي تعاونت معه، وصولًا إلى تغيير النظام الدستوري نفسه.

في العراق: بدأ الضغط على الميليشيات الموالية لإيران وما يُسمّى "الحشد الشعبي"، وصولًا إلى حصر السلاح وتجريد تلك القوى من قدرتها على التحكم بالقرار.

جرمانوس يرى أن المنطقة تسير على "خط واضح لإضعاف الوجود الإيراني وأذرعه العسكرية"، وأن لبنان لن يكون خارج هذا المسار حتى لو تأخر التنفيذ."

 

دعوة رَجّي إلى طهران: إيران مأزومة في لبنان

انتقل الحديث إلى دعوة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لنظيره اللبناني يوسف رَجّي لزيارة طهران في هذا التوقيت، بعد تصريح إيراني اعتبر أن "السلاح أهم من الخبز والماء بالنسبة للبنانيين".

جرمانوس قرأ هذه الدعوة على الشكل الآتي: إيران "مأزومة في لبنان" وتشعر بالخناق الذي يضيق على "حزب الله" سياسيًا وماليًا. تحاول طهران فكّ هذا الخناق عبر إعادة التمويل، وإعادة تثبيت شبكة علاقاتها وفتح قنوات سياسية رسمية.

قرار ذهاب وزير الخارجية من عدمه، هو قرار حكومي لا شخصي، ويقول إنه لو كان رئيسًا للحكومة "لما أرسل الوزير"، لأن إيران – برأيه – لا تحترم الدولة اللبنانية ولا السورية ولا العراقية، وتعامل هذه الدول كأدوات ضمن مشروعها الإقليمي.

ويذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن إيران تسببت للبنان بحروب ودمار يقدّرها بنحو 500 مليار دولار منذ 1983، وأن لبنان – لو كان دولة قوية – كان يمكن أن يشكوها أمام محكمة العدل الدولية.

 

دولة فاشلة منذ 1969… وتكليف كرم خطوة شكلية

يصف جرمانوس الدولة اللبنانية بأنها "دولة فاشلة شكلية بالتعريف الدولي منذ عام 1969"، لأنها عاجزة عن فرض سيادتها على كامل أراضيها. وبرأيه، الدولة اليوم: لا تملك القدرة ولا الإرادة لمواجهة "حزب الله".

يعرف الجميع – اللبنانيون، إسرائيل، الولايات المتحدة، والحزب نفسه – أن الدولة عاجزة، وأن ما يَحصل هو "لعبة إنكار جماعية".

وفي هذا السياق، يتناول تعيين السفير السابق سيمون كرم لرئاسة الوفد اللبناني في اجتماعات لجنة "الميكانيزم"، فيقول: التعيين خطوة "شكلية جميلة" أُعطيت أكثر من حجمها في الإعلام.

جاءت – بحسب قراءته – تحت ضغط دولي ورسائل مباشرة للبنان بضرورة التفاوض وضبط الحدود والقرار. لكنها لا تمس جوهر المشكلة، لأن قلب الملف يبقى سلاح حزب الله: هل سيسلّمه أم لا؟

يشكك في أن الحزب يُعَارِض فعلًا هذا التعيين، ويرجّح أن الجميع متوافقون عليه لكسب الوقت.

 

حزب الله بين شراء الوقت وتغيّر المعادلات

في تقييمه لوضع "حزب الله"، يقدّر جرمانوس أن الحزب فقد أكثر من 80% من قدراته العسكرية والبشرية مقارنة بالماضي، لكنه لا يَزَال قادرًا على تهديد استقرار دول وأنظمة، خصوصًا في سوريا ولبنان، عبر الشبكات والعلاقات التي يمتلكها.

يذكّر بمسار تاريخي يعتبره دليلًا على قدرة الحزب على الصمود وتجاوز الأزمات:

مرحلة تفجيرات الثمانينيات (المارينز، القوات الفرنسية، السفارات…) وما أعقبها من تثبيت حضور الحزب.

تجاوز مرحلة اتفاق الطائف والاحتفاظ بالسلاح حين سلّمت باقي الميليشيات سلاحها.

الاستفادة من الانسحاب السوري بعد 2005 واستعادة الإمساك بالقرار اللبناني.

مع ذلك، يرى أن المرحلة الحالية مختلفة جذريًا بعد 7 تشرين الأول، وأن هامش المناورة يضيق، لأن هناك قرارًا دوليًا بإنهاء الوجود الإيراني المسلّح في المنطقة.

 

الميكانيزم"، هوكشتاين، والتفاوض المباشر

في ما خصّ اجتماعات الناقورة واللجنة التقنية ("الميكانيزم")، يسأل جرمانوس: لماذا ينكر المسؤولون اللبنانيون حقيقة ما يَحصل، في حين أن: الموفد الأميركي آموس هوكشتاين هو – كما يصفه – "ضابط إسرائيلي سابق يحمل الجنسية الإسرائيلية"، وقد لعب الدور المحوري في ترسيم الحدود البحرية.

الترسيم البحري نفسه كان اعترافًا عمليًا بإسرائيل وتطبيعًا اقتصاديًا عبر تقاسم حقوق الغاز وإيداع الاتفاق في الأمم المتحدة.

من هذا المنطلق، يعتبر أن التفاوض المباشر حاصل واقعًا، مهما أنكر الخطاب الرسمي، وأن المجتمع الدولي يتعاطى مع لبنان كدولة غير متعاونة، ولذلك تتصاعد الضغوط عبر:

إعادة تشكيل "الميكانيزم" بوجه مدني سيادي.

تقليص عديد "اليونيفيل" تمهيدًا لانسحابها على المدى المتوسط.

رفع مستوى الضربات الإسرائيلية في الجنوب بالتوازي مع الاجتماعات والضغط الدبلوماسي.

 

السلام مقابل الاستقرار… وربما بقاء لبنان

في مقاربته لمستقبل الصراع وحدود البلد، يذهب جرمانوس إلى معادلة قاسية: "طالما الدولة اللبنانية لا توقع سلامًا مع إسرائيل، لن يعرف البلد الاستقرار".

يسأل بصوت عالٍ: ماذا لو اعتبر المجتمع الدولي أن لبنان بات دولة مضرّة ومخربة في الإقليم؟ وما الذي يمنع – نظريًا – إعادة النظر بحدوده أو وضع الجنوب في سيناريوهات تقسيم أو إعادة توزيع نفوذ، كما يُحكَى أحيانًا عن مناطق في سوريا؟

يربط بين ذلك وبين زيارة البابا المرتقبة إلى لبنان، ورسائل المجتمع الدولي عن ضرورة ضبط السلاح وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة.

 

انتخابات بلا جدوى… وطبقة سياسية إلى السقوط

عن الانتخابات النيابية المقبلة، يصفها جرمانوس بأنها: مشهد "درامي وسخيف" في دولة فاشلة.

تحصل تحت السلاح، بقانون مفصّل على قياس قوى الأمر الواقع وباستخدام المال السياسي.

نتائجها – بنظره – بلا قيمة ما دامت المؤسسات يمكن تعطيلها بقرار فردي، كما يحصل في تجميد عمل المجلس النيابي.

ويصل إلى خلاصة واضحة: هناك قرار بإسقاط حزب الله، وإسقاط الطبقة السياسية التي دمّرت لبنان وأوصلته إلى الإفلاس، وتغيير النظام الدستوري الذي سمح بهذا الواقع.

التنفيذ مسألة وقت، لكنه – كما يقول – سيحصل تباعًا، فيما نصف الطبقة السياسية اليوم على لوائح العقوبات أو تحت المراقبة المالية، وحزب الله في أضعف حالاته منذ تأسيسه.

ويختم بتحذير من أن لبنان "رهينة" حتى إشعار آخر، وأن السؤال لم يعد إذا كان التغيير سيحصل، بل بأي صيغة ومن سيبقى واقفًا حين يُعاد تركيب النظام الجديد.


اضغط على الرابط الآتي لمشاهدة الحلقة: