في حلقة جديدة من برنامج "حوار الليلة" عبر منصّة "بالعربي"، استضاف الإعلامي ربيع ياسين الصحافي الاقتصادي منير يونس في حوار موسع تناول أبرز التحديات المالية والاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتراكمة، من تراجع سعر صرف الليرة، إلى مصير الودائع، وصولًا إلى مستقبل النظام المصرفي وإمكانية التعافي.
منذ البداية، رسم يونس صورة دقيقة لواقع الليرة اللبنانية، معتبرًا أن سعر الصرف الحالي هو "مصطنع" إلى حد كبير، وكان يستند في استقراره سابقًا إلى عاملين أساسيين: تدفق الدولار إلى السوق، وارتفاع إيرادات الدولة. إلا أن هذين العاملين تراجعا بشكل ملحوظ في المرحلة الأخيرة، حيث انخفض عرض الدولار في السوق، وتراجعت إيرادات الدولة بنسبة تقارب 40% خلال فترة قصيرة، ما يضع الليرة أمام تحديات حقيقية ويجعلها عرضة لعدم الاستقرار في أي لحظة.
وفي ظل هذا الواقع، أشار يونس إلى أن السلطات النقدية والمالية تحاول الدفاع عن الليرة عبر إجراءات مختلفة، من بينها تأجيل صرف الزيادات التي أُقرت لموظفي القطاع العام، نظرًا لحاجتها إلى نحو 60 مليون دولار شهريًا لتغطيتها. لكن هذا التأجيل، وإن كان يخفف الضغط على الدولار، خلق أزمة اجتماعية إضافية، خصوصًا في ظل الغلاء وارتفاع كلفة المعيشة وفقدان عدد كبير من اللبنانيين لمصادر دخلهم.
وعن قدرة الليرة على الصمود، شدد يونس على أن هذا الأمر مرتبط بمدى استعداد مصرف لبنان للاستمرار في ضخ الدولارات من احتياطاته. إذ يحتاج المصرف شهريًا إلى نحو 500 مليون دولار لتغطية التزاماته، في حين أن الإيرادات الحالية لا تؤمن سوى جزء من هذا المبلغ، ما يعني أن الفارق يُسحب من الاحتياطي، وهو ما يشكل خطرًا مباشرًا على ما تبقى من أموال المودعين.
وفي هذا السياق، وصف يونس الوضع بأنّه "تأثير الدومينو"، حيث إن أي استنزاف إضافي للاحتياطي سيطال بشكل غير مباشر أموال المودعين، معتبرًا أن هامش المناورة لدى مصرف لبنان بات ضيقًا جدًا، وأن الاستمرار في هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة على المدى القريب والمتوسط.
أما في ما يتعلق بملف الودائع، فأوضح يونس أن الخطط التي كانت مطروحة قبل الحرب لم تعد صالحة للتطبيق، بعدما تغيرت الظروف الاقتصادية بشكل جذري. فالمقترحات التي كانت تتحدث عن إعادة 100 ألف دولار للمودعين خلال أربع سنوات باتت مهددة، نتيجة غياب السيولة وتراجع فرص تدفق الأموال إلى لبنان.
وأكد أن المبدأ الأساس يجب أن يبقى إعادة الودائع لأصحابها، لكن الواقع يفرض حلولًا جزئية، قد تبدأ بحماية مبالغ محدودة على المدى القصير، على أن يُقسط الجزء الأكبر على فترات طويلة، وهو ما يثير اعتراضات واسعة بسبب فقدان الأموال لقيمتها مع مرور الوقت.
وفي موازاة ذلك، فتح يونس ملف الذهب، معتبرًا أنه أحد الأصول القليلة المتبقية للدولة، لكنه مقيد بقانون يمنع استخدامه منذ عام 1986. وأشار إلى أن أي قرار باستخدامه سيصطدم بخلافات سياسية حول الأولويات، بين من يطالب بتخصيصه لرد الودائع، ومن يفضل توجيهه نحو إعادة الإعمار أو دعم الاقتصاد، ما قد يبقي هذا الملف مجمّدًا لفترة طويلة.
وعلى صعيد القطاع المصرفي، اعتبر يونس أن استمرار غياب إعادة الهيكلة يعمق الأزمة، ويكرس ما يُعرف بـ"اقتصاد الكاش"، حيث تراجعت الثقة بالمصارف إلى مستويات غير مسبوقة، وتحولت شركات تحويل الأموال إلى بديل فعلي عنها. وأكد أن غياب التسليف المصرفي ينعكس سلبًا على الاقتصاد، الذي يحتاج إلى القروض للاستثمار والاستهلاك، ما يضعف فرص النمو.
وفي تفسيره لأسباب التعثر في المعالجة، أشار إلى وجود حلقة مفرغة بين المصارف ومصرف لبنان والدولة، حيث تتبادل الأطراف المسؤوليات، من دون وجود محاسبة فعلية أو حلول جذرية، ما يجعل الأزمة مستمرة من دون أفق واضح.
كما لفت إلى أن التدقيق الجنائي، الذي كان يُفترض أن يشكل مدخلًا للإصلاح، لم يُستكمل كما يجب، ما يطرح علامات استفهام حول جدية السلطة في كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين. وفي ظل هذا الانسداد، رأى أن الخيار الواقعي هو التوجه نحو تسوية شاملة، تتضمّن تحمل الدولة جزءًا من الخسائر وإعادة رسملة مصرف لبنان.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع المجتمع الدولي، شدد يونس على أن لبنان لا يملك خيارًا سوى التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، معتبرًا أنّ هذا الاتفاق هو بوابة استعادة الثقة وإعادة الانخراط في الأسواق المالية العالمية. لكنه حذر في المقابل من أنّ هذا المسار سيضع السيادة المالية اللبنانية تحت رقابة الصندوق لفترة طويلة.
وتحدث أيضًا عن الطروحات التي تربط بين التطبيع مع إسرائيل وتحقيق انتعاش اقتصادي، معتبرًا أن هذا السيناريو يبقى في إطار "الوعد"، وليس ضمانة، مستشهدًا بتجارب دول أخرى لم تحقق ازدهارًا رغم توقيعها اتفاقات سلام. وأكد أن أي انتعاش محتمل يحتاج إلى إدارة سليمة للموارد وإصلاحات بنيوية، وليس مجرد تدفّق أموال.
وفي تقييمه للوضع الاقتصادي العام، أشار إلى أن لبنان يواجه خسائر ضخمة نتيجة الحرب، قد تتجاوز عشرات مليارات الدولارات، تضاف إلى فجوة الودائع التي تُقدر بعشرات المليارات أيضًا، ما يرفع حجم الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة، من دون وجود خطة واضحة لتمويل هذه الخسائر.
وختم يونس بالإشارة إلى أن الخروج من الأزمة يتطلب ثلاثة عناصر أساسية: حصرية السلاح بيد الدولة، التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، واعتماد نموذج اقتصادي جديد أكثر إنتاجية وأقل اعتمادًا على الاستهلاك، محذرًا من أنّ استمرار الوضع الحالي يعني إعادة إنتاج الأزمات نفسها في المستقبل.
لمشاهدة الحلقة كاملة، الرجاء الضغط على الرابط أدناه: