April 15, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جهاد التنير يحذّر: الأسواق لا تحتمل… وأي اهتزاز أمني قد يفجّرها

في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان، والذي لا يزال يرزح تحت وطأة الأزمة الاقتصادية والمالية منذ العام 2019، ومع استمرار تراجع مؤسسات الدولة وتفاقم الضغوط السياسية والأمنية، يواجه القطاع الخاص، لا سيما التجاري، تحديات غير مسبوقة تهدد قدرته على الصمود والاستمرار.

ومع اقتصاد منكمش وبيئة غير مستقرة تنعكس مباشرة على حركة الأسواق وثقة المستثمرين، تتصاعد التساؤلات حول قدرة هذا القطاع على إعادة بناء نفسه، وحدود تحمله بعد سنوات من الأزمات، إضافة إلى تأثير التوترات الأمنية، في ظل الحديث عن إدخال لبنان في مواجهات لا علاقة له بها، على قرارات البقاء أو الانسحاب من السوق.

فإلى أي مدى لا يزال القطاع الخاص في لبنان قادرا على الصمود في ظل هذا الواقع؟

في هذا الإطار، أكد نائب رئيس جمعية تجار بيروت جهاد التنير أن القطاع الخاص اللبناني لا يزال يمتلك قدرة ملحوظة على الصمود وإعادة التكيف، على الرغم من الانهيار العميق الذي أصاب مؤسسات الدولة منذ العام 2019، إلا أن هذه القدرة تبقى محدودة وهشة وتعتمد بدرجة كبيرة على عوامل خارجية وليس على منظومة الدولة نفسها، لافتا إلى أن مؤشرات نشاط القطاع الخاص اللبناني شهدت تحسنا متتاليا في نهاية العام 2025، مع تسجيل نمو في الأعمال للشهر الخامس على التوالي، مدفوعا بارتفاع الطلب على الرغم من استمرار التضخم والضبابية. كما أشار إلى أن الاقتصاد اللبناني حقق نموا محدودا خلال العام 2025 بعد سنوات من الانكماش، وكان الاستهلاك الخاص والسياحة من أبرز محركات هذا النمو.


وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن صندوق النقد الدولي أشار إلى أن الاقتصاد اللبناني أظهر قدرا من المرونة بفضل السياحة وتحويلات المغتربين، وهي عوامل ترتبط مباشرة بحيوية القطاع الخاص في لبنان، موضحا أنّ بعض القطاعات، خصوصا السياحة والتجارة المرتبطة بالاستهلاك، لا تزال تلعب دورا أساسيا في الاقتصاد، إذ تساهم بنسبة تتراوح بين 20 و30% من الناتج المحلي، وتشكل محركا رئيسيا للنمو في المرحلة الحالية.


وأفاد التنير بأن هذه المؤشرات تعكس قدرة القطاع الخاص على إعادة هيكلة نفسه بسرعة، من خلال الانتقال إلى الاقتصاد النقدي، التوسع في التصدير والخدمات، والاستفادة من المغتربين والسياحة، في ظل غياب الاستقرار المالي والنقدي التقليدين مشددا، في المقابل، على أن هذا الصمود لا يعني تعافيا كاملا، إذ إن البنك الدولي وصف التعافي الاقتصادي في لبنان بأنه "هش" ومشروط بإصلاحات سياسية ومالية عميقة. ولفت إلى أن الاقتصاد لا يزال يعتمد بشكل أساسي على الاستهلاك الخاص، وليس على استثمارات إنتاجية طويلة الأمد.


واعتبر أن إعادة النمو المستدام تتطلب إصلاحات هيكلية، أبرزها إعادة هيكلة القطاع المصرفي والسياسة المالية للدولة، خصوصا وأن الأزمة المالية منذ العام 2019 أدت إلى تدمير النظام المصرفي وخفض الناتج التراكمي بشكل كبير، ما يقيد قدرة القطاع الخاص على التمويل والاستثمار. ما يعني، بحسب رأيه، أن القطاع الخاص قادر على تشغيل الحد الأدنى من الاقتصاد، لكنه غير قادر وحده على إعادة البناء الشامل أو تعويض غياب الدولة.


وفي ما يتعلق بالقطاع التجاري، أوضح التنير أن هذا القطاع لم يصل بعد إلى حد الانهيار الكامل، لكنه يعمل ضمن هامش ضيق من القدرة على التحمل، في ظل تراجع القدرة الشرائية لأكثر من 80% من السكان، وارتفاع كلفة التشغيل المرتبطة بالكهرباء والمولدات والنقل والجمارك، إضافة إلى انعدام التمويل المصرفي والاعتماد شبه الكامل على الاقتصاد النقدي، إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي.


وأشار إلى أن هذه العوامل أدت إلى استنزاف جزء كبير من قدرة التجار على التحمل، ما انعكس في إقفال عدد من المؤسسات خلال السنوات الأخيرة، مقابل استمرار أخرى عبر التكيف السريع، سواء من خلال تقليص الكلفة، أو تغيير نماذج العمل، أو التحول إلى الدولار النقدي، لافتا إلى أنّ التحويلات من الخارج تشكل شريانا أساسيا لدعم الاستهلاك وتحريك الأسواق، إلى جانب الاقتصاد غير الرسمي الذي، على الرغم من سلبياته، ساهم في استمرار الحركة التجارية، في حين تبقى قطاعات مثل الأغذية الأساسية، والأدوية والمستلزمات الصحية، والتجارة المرتبطة بالدولار (كالأجهزة الإلكترونية وبعض السلع المستوردة) الأكثر قدرة على الاستمرار.


أما في ما يخص الانعكاسات السياسية والأمنية، فأكد التنير أن إصرار بعض الأطراف على إدخال لبنان في مواجهات لا علاقة له بها ينعكس مباشرة على الدورة الاقتصادية اليومية، من خلال زيادة حالة الترقب في الأسواق، وتراجع الاستهلاك غير الضروري، وتسارع الطلب عند أي توتر، ما يؤدي إلى تشوه في العرض والطلب وارتفاع في الأسعار نتيجة إدخال "كلفة المخاطر" في التسعير. وقال إنّ هذا الواقع يدفع التجار إلى رفع هوامش الأمان بدل الأرباح، ويؤدي إلى تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، ما يضع الاقتصاد في حالة شبه طوارئ لوجستية، ويحوّله من اقتصاد نمو إلى اقتصاد بقاء، حيث تصبح القرارات قائمة على تقليص المخاطر بدل التوسع والاستثمار.


ورأى أن سلوك السوق بات منقسما بين فئة "صمود قلق" تعمل يوما بيوم مع تقليص حجم الأعمال، وفئة تتجه إلى "الخروج الصامت" ونقل الأعمال إلى الخارج، مقابل فئة ثالثة تستفيد من الفوضى عبر تجارة سريعة وهامش ربح مرتفع لكنه غير مستدام، مذكّرا بأن الخطر الأكبر لا يقتصر على الخسائر المباشرة أو تراجع الحركة التجارية، بل يتمثل في ما وصفه بـ "الأثر غير المرئي"، حيث يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد بلا أفق، في ظل ارتباطه بقرارات تتجاوز منطق الدولة ومؤسساتها. وأوضح أن هذا الواقع يؤدي إلى غياب التخطيط طويل الأمد، وتحويل كل القرارات الاقتصادية إلى قرارات تكتيكية يومية، ما يعني أن الاقتصاد يستمر في الحد الأدنى من النشاط، لكنه يفقد قدرته على التطور والنمو المستدام.


وشدد التنير على أن مستقبل القطاع التجاري في لبنان يرتبط بسيناريوهات عدة، تتراوح بين استمرار الاقتصاد المنكمش والدولرة غير الرسمية وتراجع الاستهلاك، أو توسع اقتصاد الظل وضعف الرقابة، أو سيناريو الصدمة في حال توسعت الأزمات الأمنية، مقابل سيناريوهات بديلة مثل إعادة التموضع نحو التجارة الرقمية والأسواق المتخصصة، أو التعافي المشروط في حال تحقق حد أدنى من الاستقرار.


وأكد أنّ إعادة الثقة لا ترتبط بالشعارات، بل بمجموعة شروط أساسية تشمل الاستقرار الأمني ولو النسبي، ووضوح القواعد الاقتصادية وسعر الصرف، وإعادة الحد الأدنى من انتظام القطاع المصرفي، وكبح الفوضى في الاقتصاد غير الرسمي، إضافة إلى إشارات سياسية واقعية تعيد الطمأنينة للأسواق، معتبرا أن الأزمة اليوم لا تكمن فقط في ضعف القدرة على الصمود، بل في ارتفاع مستوى المخاطر إلى حد أصبح العامل الأكثر تأثيرا في قرارات التجار واستمرارية النشاط الاقتصادي.


ختاما، قد لا يكون التحدي الأكبر اليوم في قدرة القطاع الخاص على الصمود، بل في قدرته على الاستمرار ضمن واقع يزداد هشاشة يوما بعد يوم، في ظل ارتباط مصيره المباشر بالوضع الأمني، حيث إن أي تصعيد أو توتر كفيل بإعادة خلط الأوراق وضرب ما تبقى من استقرار هش، ما يجعل الاقتصاد رهينة التطورات الأمنية أكثر من أي عامل آخر.