يتصاعد الحديث عن آثار الحروب على لبنان، ويبرز النقاش ليركّز على الأعباء الاقتصادية المتراكمة التي تكبّدها البلد في خلال السنوات الماضية، في وقت لا تزال فيه المواجهات مفتوحة على احتمالات التصعيد، ما يطرح تساؤلات جدّية حول الكلفة الفعلية لهذه الحروب وانعكاساتها على الواقع اللبناني، في ظلّ إقتصاد مهترئ ومنهك جرّاء الأزمات والحروب المتتالية.
وبين الخسائر المباشرة التي طالت البنى التحتية والمنازل، وتلك غير المباشرة التي أصابت مختلف القطاعات الإنتاجية والسياحية، يبدو الاقتصاد اللبناني أكثر هشاشة أمام أي تطوّر ميداني، خصوصًا في ظل أزمة مالية ونقدية مستمرة منذ سنوات.
ومع كل جولة تصعيد، تتزايد الضغوط على المالية العامة، وتتراجع القدرة على استيعاب الخسائر أو التعافي منها، في وقت يعتمد فيه لبنان بشكل كبير على التحويلات الخارجية والاستيراد لتأمين حاجاته الأساسية، ما يجعله أكثر عرضة لأي إهتزازٍ إقتصادي إضافي.
فهل لا يزال لبنان قادرا على تحمّل كلفة هذه الحروب، أم أن استمرارها سيدفعه نحو مزيد من التدهور والانهيار الاقتصادي؟
في هذا الإطار، قدّم الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين قراءة مفصّلة لحجم الخسائر، مشيرا إلى أنّ لبنان شهد في خلال العشرين سنة الماضية ثلاث حروب بين حزب الله وإسرائيل، خلّفت خسائر بشرية كبيرة لا يمكن تقديرها، نظرًا لوقعها الإنساني على العائلات والمجتمع اللبناني ككل.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنّ إجمالي الخسائر بلغ حتى اليوم نحو 20 مليارًا و500 مليون دولار، من بينها نحو 5 مليارات و600 مليون دولار خسائر غير مباشرة، لافتا إلى أنّ هذه الخسائر توزعت على مراحل، إذ بلغت كلفة حرب العام 2006 نحو 5 مليارات و300 مليون دولار، منها مليار و200 مليون خسائر غير مباشرة، في حين وصلت كلفة حرب 2023 - 2024 إلى نحو 13 مليارًا و500 مليون دولار، بينها 4 مليارات خسائر غير مباشرة.
وأشار شمس الدين إلى أنّ الحرب الحالية، التي بدأت في الثاني من آذار، كلّفت حتى الثالث والعشرين من الشهر نفسه نحو ملياري دولار، مرشّحة للإرتفاع في حال استمرارها، خصوصا مع تسجيل دمار كلّي لنحو 4 آلاف وحدة سكنية بين الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب، وهو رقم قابل للزيادة مع استمرار العمليات.
وقال إنّ الخسائر غير الاقتصادية، الناتجة عن تعطّل الحركة الاقتصادية، قُدّرت بنحو 450 مليون دولار، لا سيما وأنّ هذه الفترة كانت تتزامن مع مواسم نشطة كعيد الفطر، والتي عادة ما تشهد مجيء لبنانيين من الخارج وسياح عرب، وهو ما لم يحصل هذه المرّة، ما أدّى إلى تراجع ملحوظ في النشاط الاقتصادي.
وفي ما يتعلّق بقدرة الدولة على المواجهة، شدد شمس الدين على أنّ لبنان، في ظل أوضاعه الاقتصادية الراهنة، عاجز عن تحمّل كلفة إعادة الإعمار من دون الحصول على مساعدات عربية ودولية، لافتا إلى أنّ حجم الأضرار كبير جدًا مقارنة بالإمكانات المتاحة.
كما أشار إلى أنّ موازنة العام 2026 وُضعت على أساس الاستقرار، إلا أنّ استمرار الحرب سيؤدي حتما إلى تسجيل عجز إضافي، ما سيزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية، متطرّقا أيضا إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد، لا سيّما المشتقات النفطية، موضحا أنّها بلغت في العام الماضي نحو 4 مليارات و500 مليون دولار، وقد ترتفع إلى ما بين 9 و10 مليارات دولار في حال استمرار التصعيد، ما سيزيد الحاجة إلى العملات الأجنبية.
وحذّر شمس الدين من أنّه في حال طالت مدة الحرب، قد يواجه لبنان أزمة في تأمين الدولار، في ظل احتمال تراجع التحويلات من الخارج، ما ينذر بتفاقم الضغوط الاقتصادية في المرحلة المقبلة.