علّقت اتحادات ونقابات النقل البري في لبنان إضرابها الذي كان بدأ الخميس 26 شباط 2026، احتجاجًا على ارتفاع كلفة البنزين وزيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، بعد أن أعلن وزير المالية ياسين جابر، من السراي الحكومي، عن منح السائقين تعويضًا ماليًا شهريًا بقيمة 12 مليون ليرة لبنانية ورفع الرسوم الجمركية عنهم، مقابل عدم رفع تعرفة النقل.
ويأتي هذا الإعلان في وقتٍ لا يزال فيه لبنان يرزح تحت أعباء العجز المالي وتراجع الإيرادات، فيما تتجه الحكومة إلى منح زيادات مالية متتالية استجابةً لتحركات قطاعات مختلفة، من دون أن تترافق هذه الخطوات مع خطة إصلاحية شاملة تعالج جذور الأزمة. فبعد رفع الـTVA والضرائب على البنزين لتغطية رواتب القطاع العام، تعود الدولة اليوم لتقديم تعويضات جديدة، ما يثير تساؤلات حول قدرتها على الاستمرار في هذا النهج في ظل محدودية الموارد.
هذا الواقع يعيد إلى الواجهة تجربة سلسلة الرتب والرواتب وما رافقها من ضغوط مالية وانعكاسات على المواطن، ويطرح سؤالًا أساسيًا: هل ما يحصل اليوم سياسة مالية مدروسة قادرة على الصمود أم سلسلة قرارات موقتة تهدّئ الشارع لكنها تعمّق الأزمة الاقتصادية؟
في هذا السياق، شدّد الصحافي عماد شدياق على أنّ ما يحصل ليس سياسة مالية مدروسة بتاتًا، معتبرًا أنّ الوعود التي أُطلقت قبل إقرار الموازنة من قبل وزير المالية بعدم زيادة الضرائب سقطت سريعًا بعد العودة إلى رفع الرسوم لإرضاء قطاعات معينة، ابتداءً بالعسكريين المتقاعدين، ومن المتوقع أن يشمل هذا كل موظفي القطاع العام قريبًا.
وأوضح عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أن ما يحدث اليوم يشبه تمامًا ما حصل في سلسلة الرتب والرواتب السابقة، لكن الفرق الكبير أن الحكومة الحالية يُفترض أن تكون حكومة إصلاح، إلا أنها بدلًا من القيام بإعادة هيكلة الإدارة وترشيقها، تزيد الرواتب لمن يبقى من الموظفين غير المنتجين، من دون معالجة حجم القطاع العام الضخم. وقالَ إنَّهُ كلما ارتفع التضخم أو تراجعت القدرة الشرائية، تلجأ الدولة إلى زيادات جديدة للرواتب، ما يخدم القطاع العام على حساب القطاع الخاص.
وأشار شدياق إلى أنّ الدولة لا تملك إيرادات مستدامة لتغطية هذه الزيادات. فالقيمة المقترحة للزيادات تصل إلى نحو 800 مليون دولار سنويًا، فيما لا تتجاوز الإيرادات الناتجة عن رفع الـTVA والبنزين نحو 600 مليون دولار، ما يعني فجوة تمويلية كبيرة.
أما بالنسبة للسيناريو المطروح حاليًا للتمويل، فلفت إلى ألَّا جواب واضحًا، في ظلّ الحديث عن طعن محتمل في زيادة البنزين والـTVA، مشيرًا إلى أنّ الحكومة لا تستطيع تنفيذها بسهولة من دونِ قانون من مجلس النواب، خصوصًا في سنة انتخابية، ما يجعل تمرير أي زيادة أمرًا صعبًا جدًا.
واعتبر شدياق أن البديل الواقعي يكمن في قيام الحكومة بدورها كما يجب في مجال الإصلاح، ابتداءً من ترشيق الإدارة، تقليص حجم الموظفين غير المنتجين وضمان شراكة حقيقية بين القطاع العام والخاص، مؤكِّدًا أن المطلوب من الدولة التركيز على ثلاثة مجالات أساسية فقط: الأمن، القضاء والتعليم، وأنّ أي مصاريف إضافية للرواتب يجب أن تأتي بعد إعادة هيكلة حقيقية، وإلا فإن نصف الموازنة سيبقى مُخصصًا للرواتب والأجور، ولن يكون هناك ما يكفي للخدمات الأساسية مثل الكهرباء، المياه، الضمان الاجتماعي أو الإنماء، ما يفاقم الأعباء على المواطن ويستنزف الموارد من دونِ جدوى.