March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

قرار حكومي يسحب من جيوب اللبنانيين

في وقتٍ يعيش فيه اللبنانيون أزمات اقتصادية متلاحقة وعلى أبواب شهر رمضان المبارك الذي يشهد عادة ارتفاعًا إضافيًا في أسعار السلع الغذائية وكلفة المعيشة، صدر قرار الحكومة اللبنانية رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1% وزيادة أسعار المحروقات بمقدار 360 ألف ليرة لبنانية، بهدف تمويل رواتب القطاع العام، ما زاد الضغوط على المواطنين بدل أن يخفّفها.

وعلى الرَّغمِ مِن تَبرِيرِ رَئِيس الحكومة نواف سلام هذا القرار بالقول إنّ زيادة الضريبة بنسبة واحد في المئة ستطال القادرين أكثر من غيرهم وأنّ رفع سعر البنزين من دون المازوت جاء مراعاة للفئات الفقيرة، يبقى السؤال الأهم عند اللبناني هو: كيف يمكن للمواطن العادي تحمّل أعباءٍ إضافية في وقتٍ ترتفع فيه كل تكاليف المعيشة الأساسية، بينما تُوجه الموارد مباشرة لرواتب القطاع العام؟

في هذا السياق، أكّد مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني أنّ التأثير المتوقع على أسعار الغذاء، النقل وكلفة المعيشة سيكون مباشرًا ومرتفعًا، مشيرًا إلى أنّ زيادة TVA بنسبة 1% ورفع سعر صفيحة البنزين بمقدار 360 ألف ليرة لبنانية تعني ارتفاع الأسعار بشكل عام بمقدار مماثل وأن كل الإنتاج في البلد يعتمد على المحروقات، سواء للنقل أو للإنتاج والتشغيل، وبالتالي فإن زيادة التكاليف على الشركات تنعكس على المستهلكين بأسعار السلع المحلية.


وأَشَارَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ الرسوم الجديدة على استيراد وتصدير الكونتينرات تزيد كلفة السلع المستوردة والمصدّرة، ما يعني أن فاتورة 800 مليون دولار لزيادة رواتب القطاع العام تموّل بشكل غير مباشر من جيوب المواطنين، بما فيهم الفئات الأكثر ضعفًا، العاطلون عن العمل أو محدودو الدخل، الذين يتحملون جزءًا من هذه الأعباء.


وأوضح مارديني أنّ التمويل التقليدي لرواتب القطاع العام في الماضي كان يَحصل عَبرَ ثلاثة مصادر رئيسية: سلف الخزينة من مصرف لبنان الذي كان يُقدّم القرض من أموال المودعين، الاقتراض الخارجي عبر سندات اليورو بوند وطباعة العملة التي تسببت سابقًا بانهيار سعر صرف الليرة، إلا أنّ هذه الوسائل استُنزفت بالكامل، مُؤكِّدًا أَنَّ الوسيلة الوحيدة المتبقية هي رفع الضرائب غير المباشرة، لأنها الطريقة الوحيدة التي يمكن للدولة الحصول على مدخول فعلي منها في ظلّ ضعف الإدارة الضريبية، وجود التهرب الضريبي وعدم قدرة الدولة على تحصيل الضرائب المباشرة. لكنّ هذا الخيار، بحسبه، سيكون له نتائج عكسية، حيث سيرفع أسعار كل السلع والخدمات ويضعف تنافسية لبنان مقارنة بالدول المجاورة.


وشَدَّدَ على أَنَّ الاقتصاد اللبناني كان متوقعًا أن ينمو في 2025 و2026 بعد بوادر إصلاحات، مثل إقرار قوانين السرية المصرفية، عادة هيكلة القطاع المصرفي، تمرير قانون الفجوة في مجلس الوزراء وتعيين الهيئات الناظمة، ما منح استقرارًا نسبيًا وأتاح فرصًا للنمو بعد سنوات من الركود. لكنّه اعتبر أنّ الضرائب الجديدة ستضعف هذا النمو، حيث سترفع كلفة التشغيل، النقل، الطاقة، الاستيراد والتصدير وستحوّل الأموال التي يمكن أن تُستثمر لخلق فرص عمل إلى تمويل رواتب القطاع العام، ما يقلل الاستثمار ويضعف الاقتصاد.


أما بالنسبة للبدائل الواقعية، فهي، بحسب مارديني، تأتي من خلال إعادة هيكلة القطاع العام، حيث أشار إلى أنّ جزءًا كبيرًا من الموظفين وُظِّفَ على أساس محسوبيات وزبائنيات وليس أداء إنتاجي حقيقي، باعتبار أنّ نحو 60% من موظفي القطاع العام يمكن الاستغناء عنهم، مع الاحتفاظ بالـ40% المنتجين الذين يستحقون زيادة الرواتب. وأَكَّدَ أَنَّ أَي توفير من هذه العملية يمكن استخدامه لزيادة رواتب العاملين الفعليين.


وحذّر من أن القرار الحكومي الحالي يرفع الرواتب لجميع الموظفين، المنتج وغير المنتج، ما يضعف الإنتاجية، يضاعف الأعباء على الدولة، يستنزف القطاع الخاص ويزيد التضخم. وقَالَ إِنَّ الحكومة لا تزال توظف أعدادًا إضافية في مؤسسات عامة مثل الجامعة اللبنانية على الرَّغمِ مِن وُجُودِ فائض كبير من الأساتذة، ما يعكس النهج ذاته الذي أدى إلى الأزمة المالية الحالية.

قرار حكومي يسحب من جيوب اللبنانيين
قرار حكومي يسحب من جيوب اللبنانيين - 1