بعد مرور نحو 7 سنوات على الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان، يَبقَى القطاع المصرفي الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني.
ومع استمرار تأثير الأزمة على السيولة وثقة المودعين، يبرز التساؤل حول اتجاه هذا القطاع الحيوي وقدرته على التعافي، استعادة دوره في تمويل النشاط الاقتصادي وإعادة الاستقرار للأسواق المالية.
في هذا السياق، أكد كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل أن جذور الأزمة الاقتصادية التي يواجهها لبنان ليست تقنية كما يحاول البعض تصويرها، بل تعود إلى عوامل هيكلية وسياسية مرتبطة بسوء استخدام السلطة وإدارة القطاع العام.
وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أنَّ الروايات التي حاولت فرض فكرة أن الأزمة مرتبطة بالفوائد أو بتكاليف تثبيت سعر الصرف أو بالفاتورة الاستيرادية والهندسات المالية هي في الواقع نتائج وليس أسبابًا للأزمة.
وأشار غبريل إلى أن الأسباب الحقيقية تكمن في سوء إدارة القطاع العام والمؤسسات العامة ذات الطابع التجاري، عدم تطبيق حكم القانون، غياب الحوكمة والشفافية وإدمان الدولة على الاستدانة، إضافة إلى غياب النية للإصلاح على الرَّغمِ مِنَ الفرص المتكررة التي أتيحت أمام لبنان.
وأوضح أَنَّ سوء استخدام السلطة السياسية وإدارة القطاع العام أدت إلى أزمة ثقة بدأت بالتفاقم تدريجِيًّا منذ العام 2018، لتتحول إلى أزمة سيولة. وقَالَ إِنَّ هذه الأزمة تطورت مع ظهور سوق مواز لسعر صرف الليرة اللبنانية في أيلول 2019، لأول مرة منذ 25 عَامًا، ما أدى إلى خروج رؤوس الأموال من لبنان وظهور تداعيات واسعة على الاقتصاد الوطني.
وتابع غبريل أن الأزمة انفجرت بشكل أكبر في تشرين الأول 2019، لتتحول إلى أزمة نظامية شملت القطاعات كافة، بما فيها القطاع المصرفي والقطاع الخاص، مع انعكاسات على التضخم وسعر صرف الليرة اللبنانية، إضافة إلى تأثيرات مستمرة على المالية العامة.
وأشار إلى أن تداعيات الأزمة على القطاع المصرفي لا تزال مستمرة، بينما شهدت بعض القطاعات الأخرى، لا سيما القطاع الخاص، عملية إعادة تموضع وإعادة تنظيم، شملت اندماج شركات وخروج بعضها من السوق، بالإضافة إلى فتح أسواق خارجية.
كما تَحَدَّثَ غبريل عن تحسن الوضع المالي العام للحكومة اللبنانية، إذ توقفت الحاجة للاستدانة نتيجة تحقيق الإيرادات لمستوى النفقات، مشيرًا إلى أن الاحتياطات العامة تراجعت من 102 مليار دولار في بداية الأزمة إلى نحو 12 مليار دولار في 2025، عند احتسابها بأسعار السوق لسندات اليوروبوند والليرة اللبنانية.
وأكد أن القطاع المصرفي اللبناني يواجه تحديات كبيرة بسبب الأزمة ولا يستطيع التعافي إلا عبر إجراءات إعادة هيكلة طويلة الأمد.
وأوضح غبريل أَنَّ تسليفات القطاع المصرفي إلى القطاع الخاص بالعملات الأجنبية تراجعت بنسبة 87٪ منذ 2019، فيما تراجعت بالليرة اللبنانية بنسبة 61٪ كما انخفضت ودائع القطاع المصرفي بالعملات الأجنبية بنسبة 30٪ منذ اندلاع الأزمة. وقَالَ إِنَّ رأس مال المصارف تراجع بنسبة 77٪، فيما هبطت سيولتها بنسبة 58٪ لتصل إلى نحو 5 مليارات دولار في تشرين الأول 2025.
ولَفَت إلى أَنَّ عدد الفروع المصرفية تراجع بنسبة 40٪، عدد بطاقات الدفع بنسبة 35٪ وعدد أجهزة الصراف الآلي بنسبة 23٪ في خلال الفترة بين آذار 2021 وآذار 2025. وقَالَ إِنَّ الأزمة المصرفية اليوم هي في جوهرها أزمة سيولة وثقة وإِنَّ القطاع بانتظار إصدار قوانين إعادة الهيكلة وتحديد مصير الودائع، والتي أُقِرَّت جزئيًّا في مجلس النواب لكنها لا تَزَال تواجه ثغرات تؤثر على إمكان تنفيذها.
كما أوضح غبريل أن مشروع القانون الحالي يقترح استعادة الودائع للمدخرين حتى 100 ألف دولار على 4 سنوات، بينما يحصل أصحاب الودائع التي تزيد على هذا المبلغ على سندات طويلة الأجل، إلا أن غبريل حَذَّرَ مِن أَنَّ المشروع لم يحدد مصادر التمويل اللازمة لتغطية هذه الالتزامات، حيث يحتاج القطاع المصرفي إلى 22 مليار دولار تقريبًا لتسديد هذه الودائع، فيما يمتلك المصرف المركزي احتياطيات محدودة لا تكفي لتغطية هذا المبلغ بالكامل.
وأشار إلى غياب دور الدولة اللبنانية في المشروع الحالي، معتبرًا أن استمرار الأزمة وعدم مساهمة الدولة يؤدي إلى استحالة تحقيق صدمة إيجابية واستعادة الثقة. وقَالَ إِنَّ القانون يحتاج إلى تعديلات جذرية قبل التطبيق لضمان قدرة القطاع المصرفي على الاستمرار وتمويل القطاع الخاص، مؤكدًا أَنَّ الاقتصاد اللبناني استطاع في خلال السنوات الأخيرة استيراد نَحو 20 مليار دولار سنويًّا مِن دون الاعتماد على القطاع المصرفي، مدعومًا بالتحويلات الخارجية والإيرادات السياحية.
وأَكَّدَ أَنَّ أن جذور الأزمة اللبنانية هي أزمة ثقة ناتجة عن سوء استخدام السلطة السياسية وإدارة القطاع العام وأن استعادة الثقة وإعادة السيولة تتطلب تحسين إدارة المؤسسات العامة، تطبيق الحوكمة ومشاركة الدولة الفعلية في إصلاح القطاع المصرفي والمالي.