March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

من "اللائحة الرمادية" إلى المساءلة: هل يُحاسَب حاكم مصرف لبنان على قراراته؟

مع تجدّد الحديث رسميًا ودوليًا عن مسار خروج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، عاد إلى الواجهة ملفٌّ كان قد أثار جدلًا واسعًا قبل أشهر، ويتمثّل في تعاقد مصرف لبنان مع الشركة الأميركية K2 Integrity، وهو تعاقد بات اليوم في صلب النقاش حول الشفافية، وحوكمة القرار المالي، وحدود صلاحيات حاكم المصرف المركزي.

ففي وقتٍ يسعى فيه لبنان إلى إقناع المجتمع الدولي بجدّية التزامه بمكافحة توسّع الاقتصاد النقدي، والتصدّي للأنشطة غير المشروعة والاحتيالية، يطرح مراقبون تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الوسائل المعتمدة تنسجم فعلًا مع المعايير الإصلاحية المطلوبة، أو تعيد إنتاج النهج نفسه الذي أوصل البلاد أساسًا إلى اللائحة الرمادية.


التعاقد مع K2 Integrity، الذي أُبرم خلال فترة شغور المجلس المركزي، وُضع يومها تحت مجهر هيئة الشراء العام، التي اعتبرت أن العقد مخالف لقانون الشراء العام، وأن الاستناد إلى تفويض استثنائي لا يجيز للحاكم الانفراد بتوقيع اتفاقية بهذا الحجم، ولا التحايل على الأطر الرقابية بذريعة"السرّية".


اليوم، ومع إعادة فتح ملف الخروج من اللائحة الرمادية، يزداد هذا العقد حساسية، إذ يجري تقديمه على أنّه جزء من خطة دعم تقنية لمصرف لبنان في مواجهة التحديات المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وهي الملفات التي تراقبها بدقّة مجموعة العمل المالي.


اللافت، بحسب مصادر رقابية، هو التناقض في خطاب الحاكم كريم سعيد:

ففي مرحلة أولى، نُقل عنه تأكيده أنّ لبنان لا يحتاج إلى شركات خارجية، وأن الدولة تقوم بالإجراءات المطلوبة أصلًا، قبل أن يعود مصرف لبنان ليُبرّر التعاقد مع الشركة الأميركية بضرورة "تسريع" الخروج من اللائحة الرمادية.


هذا التحوّل في التبرير، من الاكتفاء الذاتي إلى الاستعانة الخارجية، لم يترافق مع أي كشفٍ علني عن كلفة العقد الفعلية، ولا عن نطاق الخدمات، وسط معلومات عن مبالغ بملايين الدولارات تُدفع من موارد شحيحة، تُعدّ عمليًا من حقوق المودعين.


في مواجهة الانتقادات، لجأ محيط الحاكم إلى شعار "استقلالية مصرف لبنان"، غير أنّ ردّ هيئة الشراء العام كان واضحًا:

الاستقلالية لا تعني الخروج عن القانون، ولا تمنح الحاكم حصانة لإدارة المال العام بعقلية الأمر الواقع. فـمصرف لبنان، وفق النصوص النافذة، خاضع لقانون الشراء العام، وأي التفاف على هذا الإطار يُعدّ مخالفة صريحة.


يرى متابعون أنّ خطورة الملف لا تكمن فقط في المخالفة الإجرائية، بل في الرسالة التي يبعثها إلى الداخل والخارج:

كيف يمكن للبنان أن يقنع المجتمع الدولي بجدّية إصلاحاته، وهو يربط الخروج من اللائحة الرمادية بقرارات أحادية، وسرّية مفرطة، وعقود غير شفافة؟

ويحذّر هؤلاء من أنّ الإصرار على هذا النهج يُضعف موقع لبنان التفاوضي، ويحوّل شعار الخروج من اللائحة الرمادية إلى عنوان سياسي بلا مسار إصلاحي فعلي.


السؤال الذي لم يعد مؤجَّلًا.

بعد مرور أشهر على التعاقد، وعودة الملف إلى الواجهة مع تطوّرات اليوم، لم يعد السؤال: هل العقد قانوني؟

بل أصبح السؤال الجوهري: لماذا أصرّ حاكم مصرف لبنان على تمريره بهذه الطريقة؟ ما جدوى هذا العقد؟ ولماذا تُدفع ملايين الدولارات من الخزينة في ظلّ الانهيار؟ ومن يُحاسب حاكم المصرف إذا كان أوّل اختبارٍ إصلاحي في عهده قد سقط بهذا الحجم؟


بين تصحيح المسار ومواصلة النهج نفسه، يقف لبنان مجدّدًا أمام مفترقٍ واضح: إمّا شفافية حقيقية تُعيد بناء الثقة، أو انتقال خطير من “اللائحة الرمادية” إلى “اللائحة السوداء”. فمن يتحمّل المسؤولية؟