March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

قانون الفجوة المالية يتمايل بين الاستحقاقات المقبلة والشروط المفروضة على لبنان

بعد إِقرارِ الموازنة العامة في مجلس النواب، يَتَّجِهُ الاهتمام السياسي والاقتصادي في البلاد نحو الخطوة التالية التي قد يَقُومُ بِهَا المجلس، والمتمثلة في البحث في قانون الفجوة المالية الذي يشكل أَحَد أَكثَر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة.

وبين من يرى في إِقراره شرطًا أَساسِيًّا لاستكمال مسار الإِصلاحات المطلوبة داخليًا وخارجيًا ومن يعتبر أَنَّ كلفته السياسية والاجتماعية قد تدفع إلى ترحيله، يطرح السؤال الأَساسِيّ حول ما إِذَا كان المجلس النيابي سيتجه إلى حسم هذا الملف في المدى القريب أَم أَنَّ البحث فيه سيؤجل ويرحل إلى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة في ظل الحسابات الانتخابية والتوازنات السياسية القائمة.

في هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي ادمون شماس أَنَّ النقاش الدائر في مجلس النواب حول إِقرارِ الموازنة العامة وقانون الفجوة المالية لا يمكن فصله عن مجمل التطورات السياسية، الإِقليمية والدولية، مُشيرًا إلى أَنَّ مَصِير هذا القانون مرتبط بشكل مباشر بملف الانتخابات النيابية وبشروط المجتمع الدولي المفروضة على لبنان.

 

وقَالَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إِنَّ مسألة حصول الانتخابات النيابية لا تَزَال مُحَاطَة بالكثير من الضبابية، لافِتًا إلى أَنَّ القانون الانتخابي الحالي، خُصوصًا ما يتعلق باقتراع اللبنانيين المنتشرين في الخارج ودائرة النواب ال16، يفتقر إلى الصيغ التطبيقية الواضحة. واعتَبَر أَنَّ الدعوة إلى حصولِ انتخابات في ظل هذا الغموض تتناقض مع أَبسط معايير الشفافية، مُؤكذِدًا أَنَّ التحضير للاستحقاق الانتخابي يفترض أَن يبدأ قبل سنة على الأَقَل، مع وضوح كامل في آليات الاقتراع، من الميغاسنتر إلى البطاقة الانتخابية الممغنطة، وهي ملفات يُحكَى عَنهَا منذ سنوات من دون تنفيذ.

 

ورَبَط شماس هذا التعثر الانتخابي بالتطورات الإِقليمية، مُتَسَائِلًا عَمَّا إِذَا كانت المتغيرات في المنطقة، من ضغوط دولية واحتمالات تصعيد عسكري، قد تؤثر على قرار حصولِ الانتخابات في لبنان. كما طرح تساؤلات حول موقف المجتمع الدولي من انتخابات تَحصل مِن دُونِ مُشَارَكَةٍ فعالة للمغتربين ومَا إِذا كانَ هذا الأَمر قد يؤدي إلى إِعَادَةِ تكوين أَكثرية نيابية تصب في مصلحة حزب الله نتيجة فائض الأَصوَات لديه.

 

وفي ما خص قانون الفجوة المالية، رَأَى أَنَّ القانون، بصيغته الحالية، ينطوي على مخالفات دستورية جسيمة، خُصوصًا لجهة انتهاك مبدأ حماية الملكية الخاصة المنصوص عليه في الدستور، باعتبار أَنَّ الودائع المصرفية هي ملكية خاصة يُصَار إلى التعدي عليها. وقَالَ إِنَّ القانون يكرس أَيضًا مبدأ عدم المساواة، إِذ يُحَمِّل شَرِيحَة مُحَدَّدَة من المودعين كامل كلفة الانهيار المالي، بدل تحميلها لمن استفاد من الهندسات المالية أَو من الفوائد المرتفعة أَو من تسديد القروض بشيكات مصرفية.

 

وأَكَّدَ شماس أَنَّ القانون لا ينطلق من مسلمات واضحة، وفي مقدمتها تحديد ما إِذَا كانت الودائع شرعية أَو غير شرعية، مُعتَبِرًا أَنَّ هذا الأَمِر يَجِب أَن يكون الأَسَاس قَبلَ أَيِّ توزيع للخسائر. وانتقد التعديلات التي أُدخِلَت على المشروع بين النسخة الأُولى الصادرة عن اللجنة الوزارية والنسخة المُحَالَة إلى مجلس النواب، وَاصِفًا إِيَّاهَا بالاعتباطية، خُصوصًا في ما يتعلق بالإعفاء عن أَوَّل 750 أَلف دولار وفرض اقتطاع بنسبة 30% على ما يزيد عن هذا المبلغ.

 

وشَدَّدَ على أَنَّ غِيَاب التدقيق المالي الجنائي الشامل يشكل ثغرة أَساسية، مُوضِحًا أَنَّهُ مِن دُونِ هذا التدقيق لا يمكن معرفة الحجم الحقيقي لموجودات كل مصرف، لا كيفية التصرف بودائع المودعين مُنذُ العام 2015 ولا ما إِذا كانت المصارف قد خالفت القوانين أَو هَرَّبَت أُصولها. واعتَبَر أَنَّ إِقرار أَيّ قانون لتوزيع الخسائر من دون هذه المعطيات يشكل قَفزًا في المجهول.

 

وتَطَرَّقَ شماس إلى ملف سندات اليوروبوند، مُشِيرًا إلى أَنَّ المصارف كانت تحمل قبل العام 2019 نحو 15.8 مليار دولار من هذه السندات، مع تفاوت كبير في حجم المخاطر بين مصرف وآخر، حيث استثمرت بعض المصارف كامل رساميلها في هذه السندات بدافع الجشع والطمع، مُعتَبِرًا أَنَّ تحميل الجميع الكلفة نفسها يتجاهل هذه الفوارق والمسؤوليات.

 

وحَذَّرَ مِن أَنَّ الاعتماد على احتياطي مصرف لبنان، المقدر بنحو 10 مليارات دولار، لتسديد الودائع حتى سقف 100 أَلف دولار، يعني استخدام أَموَال المودعين نفسها، في ظل غياب رساميل مصرفية فعلية وقدرة محدودة للمصرف المركزي على تحقيق أَربَاح، مُتَسائِلًا عن مصدر الأَموال التي ستمكن مصرف لبنان من تغطية حصته المقدرة بنحو 60% من الكلفة.

 

وأَكَّدَ شماس أَنَّ إِقرار قانون الفجوة المالية، في حال حصوله، سيواجه طعنًا أَمامَ المجلس الدستوري، مُرَجِّحًا قبول الطعن بسبب المخالفات الدستورية الواضحة. ورأَى أَنَّ تمرير القانون مرتبط بميزان القوى السياسية وبالاستحقاق الانتخابي. واعتَبَر أَنَّ الضغوط الدولية قد تدفع نحو إِقراره مع تعديلات، لكنه لن يمر بصيغته الحالية.