March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

دعم مالي للكهرباء.. فهل نودّع العتمة؟

ليس السؤال اليوم ما إذا كان لبنان يحصل على دعم لقطاع الكهرباء، بل ما إذا كان هذا الدعم قادرًا فعليًا على كسر حلقة الوعود المكرّرة. فالدعم القطري البالغ 40 مليون دولار يُقدَّم في بلد اعتاد إنفاق أكثر من مليار دولار سنويًا لتأمين كهرباء غير مكتملة، ما يفرض مقاربةً مختلفة لا تُقاس بالأرقام المجردة بل بالأثر الفعلي على حياة المواطنين. بالنسبة للمواطن اللبناني، لا تُقاس الوعود بعدد المشاريع المعلنة ولا بحجم المبالغ المرصودة، بل بالنتيجة الوحيدة التي تعني له كهرباء متواصلة تضع حدًا للتقنين وللاستنزاف اليومي.

وأمام حلم اللبناني بأبسط حقوقه في التغذية الكهربائية، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لهذا الدعم أن يُتَرجَم تَحَسُّنًا فِعلِيًا في الكهرباء أم أنه سينضم إلى سلسلة طويلة من الأموال التي صُرفت على القطاع من دون أن تغيّر واقع العتمة؟

في هذا الإطار، رَأَت خبيرة سياسات الطاقة لوري هايتايان أَنَّ أي قراءة واقعية للدعم القطري يجب أن تنطلق من حجم الأزمة الفعلية لا من قيمة المبلغ بحد ذاته، لافِتَةً إلى أَنَّ مُؤَسَّسَة كهرباء لبنان كانت، قبل الانهيار المالي في العام 2019، تحتاج إلى ما يقارب مليار ومئتي مليون دولار سنويًا، على شكل سلف من الخزينة، لتأمين الفيول وتوفير كهرباء لم تكن دائمًا على مدار الساعة، ما يضع مبلغ الأربعين مليون دولار في سياقه الحقيقي كدعم محدود لا يمكنه وحده تلبية المطلب الأساسي للمواطن.

 

وأَوضَحَت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ الحديث عن أثر هذا الدعم يبقى سابقًا لأوانه، إذ لا يزال غير معروف حتى الآن على أي وجهة سيُصرف مبلغ الأربعين مليون دولار، مُشيرَةً إلى أَنَّ قطاع الكهرباء يواجه حاجات عِدَّة، من تحويل معامل الإنتاج إلى الغاز لتقليل الكلفة والتلوث، إلى الاستثمار في معامل جديدة وتحسين شبكة التوزيع والحد من الهدر التقني، إضافة إلى رفع نسبة الجباية ومواءمة التعرفة مع قدرة المواطن الشرائية. وأَكَّدَت أَنَّ غِيَاب تحديد واضح لوجهة الصرف يمنع أي تقييم فعلي لمدى انعكاس هذا الدعم على حياة المواطنين.

 

أما في ما يتعلق بالتحول إلى الغاز، فبَيَّنَت هايتايان أَنَّ تركيز وزير الطاقة جو الصدّي ينحصر بمعمل دير عمار، في حين يبقى معمل الزهراني خارج أي خطة عملية للتحول إلى الغاز، بسبب غياب البنى التحتية اللازمة، من أنابيب ومحطات تغويز. كما طرحت علامات استفهام حول مشروع استجرار الغاز المصري، لجهة الكميات الممكن تأمينها وقدرة مؤسسة كهرباء لبنان على الدفع، في ظل تجارب سابقة شهدت تأخرًا في السداد وتراكمًا للديون، كما حصل في ملف الفيول العراقي.

 

وفي موازاة ذلك، شَدَّدَت على أَنَّ أَي دعم مالي موجّه لقطاع الكهرباء يجب أن يقترن بشفافية مطلقة من قبل وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان، سواء لناحية الإعلان عن آلية صرف الأموال أو نشر بيانات واضحة حول أوجه استخدامها، مُحَذِّرَةً مِن أَنَّ غِيَاب هذه الشفافية قد يؤدي إلى تكرار السيناريو نفسه الذي شهده اللبنانيون مرارًا، حيث تُنفق الأموال من دون أن يلمس المواطن أي تحسّن فعلي.

 

وخلصت هايتايان إلى أن الحل لا يكمن في دعم ظرفي أو تمويل جزئي، بل في مسار إصلاحي متكامل يبدأ بتطوير المعامل والبنى التحتية، تحسين الإدارة والحوكمة داخل مؤسسة كهرباء لبنان، تفعيل دور الهيئة الناظمة وفتح المجال أمام القطاع الخاص والطاقات المتجددة، بما يضمن إنتاج كهرباء مستدامة تؤمّن حق اللبنانيين بالتغذية الكاملة، لا الاكتفاء بإدارة أزمة مزمنة.

دعم مالي للكهرباء.. فهل نودّع العتمة؟
دعم مالي للكهرباء.. فهل نودّع العتمة؟ - 1