في زمنٍ يواكب فيه العالم ثوراتٍ رقمية متسارعة، لا يزال الإنترنت في لبنان عنوانًا صارخًا للإخفاق المزمن. بطء شديد، انقطاعات شبه يومية وكلفة لا تعكس الحدّ الأدنى من جودة الخدمة، في مقابل تمدّد شبكات إنترنت غير شرعية باتت تؤمّن سرعات أعلى خارج أي رقابة أو محاسبة. هذا التناقض الفاضح يطرح أسئلة جوهرية حول أداء الوزارة وجدّية المعالجات المطروحة، ولماذا يتقدّم الإنترنت غير الشرعي على الشبكة الرسمية فيما تبقى الحلول الجذرية مؤجّلة.
في هذا السياق، شرحت مصادر في وزارة الاتصالات واقع ما يَحصل داخل قطاع الاتصالات، عارضةً مقاربة الوزارة لمعالجة تراجع خدمات الإنترنت، ومبرّرةً أسباب البطء القائم والفجوة بين الخطط المعلنة ومستوى الخدمة الذي يلمسه المستخدمون يوميًا.
وتعمل وزارة الاتصالات، بِحَسَب مَا أَكَّدتَ المَصَادِر عبر مِنصّة "بالعربي"، على تحسين مستوى خدمة الإنترنت بعد 6 سنوات من غياب الاستثمار وتراجع تطوير البنية التحتية، وقد بدأ العمل على هذا المسار بشكل تدريجي من خلال الاستثمار في الأجهزة والمعدّات، إلى جانب تنفيذ عمليات صيانة لعدد من المحطات، ما انعكس تحسّنًا جزئيًا في بعض المناطق.
غير أنّ هذا التوصيف الرسمي لا يبدّد الصورة القاتمة التي يختبرها المستخدمون على نطاق واسع، إذ لا يزال البطء هو السمة الغالبة في معظم المناطق، فيما تبدو أي تحسينات موضعية وغير كافية لإحداث تغيير فعلي على المستوى الوطني. وتؤكد المصادر نفسها أنّ مشروع الألياف الضوئية يشكّل حجر الأساس لأي تحسّن حقيقي في جودة الإنترنت وسرعاته، مشيرةً إلى أنّ الوزارة تعمل على تنفيذ خطة تمتد لثلاث سنوات لتوسيع شبكة الفايبر لتشمل 325 ألف وحدة سكنية في بيروت وخارجها.
ووفق هذه المصادر، بدأت الأعمال التنفيذية بالظهور في عدد من المناطق، ما يُفترض أن يترجم تدريجيًا تحسّنًا ملموسًا في الأداء وسرعات الإنترنت، على أن يتوسّع التنفيذ تباعًا ليشمل أكبر عدد ممكن من المشتركين.
إلا أنّ هذا المسار، رعلى الرَّغمِ مِن أهميته، لا يزال بطيئًا قياسًا بحجم الأزمة، فيما تبقى غالبية اللبنانيين خارج نطاق الفايبر وتحت رحمة شبكات نحاسية قديمة لا تسمح بتقديم سرعات مستقرة أو مرتفعة، ما يفتح الباب واسعًا أمام البدائل غير الشرعية التي تفرض نفسها كأمر واقع في مناطق كثيرة.
وعلى مستوى قطاع الخليوي، تؤكد المصادر أنّ الأعطال المتكرّرة وتراجع الأداء في شبكتي "ألفا" و"تاتش" هما نتيجة تراكم سنوات طويلة من غياب الاستثمارات الجدية في تحديث الشبكات وصيانتها، ما أدّى إلى ضغط كبير على البنية التحتية القائمة وعدم قدرتها على مواكبة الطلب المتزايد. وترى المصادر أنّ تحسين جودة الخدمة مرتبط مباشرة بإعادة ضخ الاستثمارات وتحديث الشبكات، وهو ما تقول إنّ الوزارة تعمل عليه ضمن رؤية إصلاحية.
أما في ما يتعلّق بالاحتكار، فتشير المصادر، دَائِمًا عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أنّ المعالجة تنطلق من تطبيق القانون 431، وهو ما تُرجم، بحسبها، بإعادة تفعيل الهيئة المنظّمة للاتصالات والدفع باتجاه تأسيس شركة "ليبان تيليكوم". وعلى صعيد الكلفة، تؤكد المصادر أنّ الفاتورة الشهرية انخفضت إلى نحو الثلث، إذ بعدما كان معدّل الفاتورة يتراوح بين 25 و30 دولارًا، بات اليوم في حدود 7 دولارات، من دون أي زيادة، على الرَّغمِ مِنَ التغيّرات الاقتصادية والتقنية التي شهدها القطاع. غير أنّ هذا الانخفاض، كما يلفت مشتركون، لم يواكبه تحسّن فعلي في مستوى الخدمة، ولا يجيب عن السؤال الأساسي المتداول: هل المشكلة مالية فقط، أم أنّها مرتبطة بسوء الإدارة وغياب المنافسة الفعلية؟
وتضيف المصادر أنّ خيار التعاقد مع شركات جديدة أو الاستعانة بخبرات إقليمية لا يزال قيد الدرس ضمن لجنة وزارية فرعية تبحث في الخيارات المتاحة لإدارة القطاع، سواء عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) أو من خلال القِيَامِ بِمُزَايَدَة لتلزيم الإدارة، بما يضمن تحسين الخدمة، تعزيز المنافسة وحماية المصلحة العامة.
في موازاة ذلك، يبرز ملف الإنترنت غير الشرعي كأحد أكثر الملفات حساسية وإرباكًا. فبينما تتحدّث مصادر الوزارة عن خطوات تنظيمية اتُّخذت أَخيرًا، تعترف في الوقت نفسه بأنّ هذا القطاع شهد فوضى لسنوات طويلة. وتشير إلى أنّ وزارة الاتصالات عملت، بتوجيهات من الوزير شارل الحاج، على تنظيم وضبط العلاقة مع الشركات الموزِّعة لخدمات الإنترنت، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حدّ لهذه الفوضى، من خلال إلزام الشركات المعنية بملء معطيات تفصيلية حول مستخدميها وشبكاتها، بحيث باتت هذه البيانات موثّقة وفي عهدة الجهات المختصة، بما يُعدّ خطوة أساسية على طريق تنظيم السوق وتعزيز الرقابة.
وفي المقابل، تنفي المصادر القول إنّ لدى هيئة "أوجيرو" خدمات بطيئة على نحو مطلق، مؤكدةً أنّ هناك شبكات نفّذتها الهيئة وترتبط بالفايبر أوبتك حيث السرعات جيدة، إضافة إلى مناطق أخرى ستُمدّ لاحقًا بشبكات الفايبر. إلا أنّ هذا التوضيح لا يبدّد السؤال المركزي: لماذا يحصل المواطن، في كثير من الأحيان، على سرعات مرتفعة من مزوّدين غير شرعيين، فيما تعجز الشبكة الرسمية عن توفير الحدّ الأدنى من الخدمة في مناطق واسعة؟
أما في ما يتعلّق بخدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، فتقول مصادر وزارة الاتصالات إنّ مشروع Starlink جُمّد بفعل الطعون التي قُدّمت، على أن يُبَتّ بالأمر سريعًا. وما إن يصدر مجلس شورى الدولة قراره، تُستأنف الخدمة بما يضمن احترام متطلبات السيادة الوطنية وحماية البيانات. وتشدد المصادر على أنّ الوزارة لا تعتمد مبدأ الحصرية، وهي منفتحة على التعاون مع شركات أقمار اصطناعية أخرى، انطلاقًا من حرصها على تعزيز المنافسة، توسيع الخيارات التقنية والاستفادة من أفضل الحلول، معتبرةً أنّ تنظيم إدخال هذه الخدمات يشكّل عنصرًا مكمّلًا للبنية التحتية الأرضية لا بديلًا عنها، ويساهم في تحسين جودة الخدمة، رفع السرعات وتعزيز الجهوزية الرقمية.
بين هذه الرواية الرسمية وما يعيشه اللبنانيون يوميًا من بطء وانقطاعات وفوضى إنترنت غير شرعي، تتّسع فجوة الثقة أكثر فأكثر. فالمشكلة لم تعد في غياب الخطط أو كثرة الوعود، بل في بطء التنفيذ، ضعف الرقابة وتأخُّر كسر الاحتكار فعليًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحوّل هذه الخطط إلى تحسين ملموس في حياة الناس الرقمية، أم يبقى الإنترنت في لبنان رهينة المعالجات المؤجّلة، فيما تواصل الشبكات غير الشرعية تمدّدها خارج سلطة الدولة؟