مع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة، تتجه الأنظار إلى مسار المفاوضات التي لا تزال عالقة بين التعقيد والتصعيد، وسط تضارب في المؤشرات بين التهدئة من جهة ورفع سقف الشروط من جهة أخرى.
وفي خضم هذا المشهد، برزت في الأيام الأخيرة معلومات متداولة عن طرح يقضي بإمكانِ نقل اليورانيوم المخصب من إيران إلى باكستان، في خطوة تطرح ضمن سياق البحث عن تسويات للملف النووي، من دون أن يتأكد حتى الآن ما إذا كان هذا الطرح قد تجاوز إطار الأفكار إلى مرحلة القبول الفعلي.
فأين وصلت فعليا المفاوضات بين طهران وواشنطن؟ وما مدى جدية هذه الطروحات؟ وهل نحن أمام مسار تسوية تدريجي أم استمرار لسياسة شد الحبال؟
في هذا الإطار، أكد الأستاذ في علم الاجتماع والباحث في القضايا الإقليمية الدكتور طلال عتريسي أن موضوع اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي يبلغ نحو 450 كيلوغراما، يعد جزءا من المفاوضات المعقدة الحالية، إلى جانب ملفات أخرى خلافية، أبرزها نسبة التخصيب التي سيُسمح لإيران بها، أو إمكان وقف التخصيب لفترة زمنية محددة، وهي نقاط لا تزال موضع خلاف ولم تحسم حتى الآن، في ظل عدم تحديد موعد واضح للاجتماع الذي سيبحث في هذه القضايا.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن فكرة تسليم أو نقل اليورانيوم ليست جديدة، إذ طرحت في مفاوضات العام 2015، لكن حينها لم يكن التخصيب قد وصل إلى نسبة 60%، وكانت الكميات محدودة، وتُداول بإمكانِ نقلها إلى روسيا أو تركيا، قبل أن يُتّفق في النهاية على السماح لإيران بالتخصيب بنسبة 3.5% تحت رقابة دولية مشددة.
وأوضح عتريسي أن طرح نقل اليورانيوم المخصب إلى باكستان اليوم قد يكون أحد الأفكار المطروحة، خصوصا وأن إيران تثق بباكستان واختارت أن يكون التفاوض في إسلام آباد، وليس في مكان آخر، إلا أن هذا الطرح لا يزال في إطار النقاش، ولا يمكن القول إنه مقبول أو نهائي، بل هو جزء من مجموعة أفكار وصيغ يُتداول بها.
ولفت إلى أن هناك خيارات أخرى مطروحة أيضا، مثل نقل جزء من هذه الكمية، أو الاحتفاظ بجزء منها، أو العودة إلى نسب تخصيب منخفضة، ما يعني أن مصير اليورانيوم المخصب لا يزال مفتوحا على أكثر من احتمال ضمن التفاوض، مشددا على أن الجانب الإسرائيلي يطالب بصفر تخصيب، وليس فقط بنقل اليورانيوم إلى باكستان، باعتبار أن منع التخصيب بالكامل هو الضمانة الأساسية لمنع إمكان تصنيع سلاح نووي.
وقال عتريسي إن ما يطرح اليوم قد يكون جزءا من أوراق تفاوضية قدمت عبر الوسيط الباكستاني، وربما يكون اقتراحا أميركيا يطرح قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض، بهدف إقناع إيران به عبر الوسيط، مشيرا إلى أن هذه الآلية تقوم على نقل الأفكار بين الطرفين بشكل غير مباشر.
وأكد أن إيران لم تغير حتى الآن عقيدتها التفاوضية، لا سيما في ما يتعلق بحقها في التخصيب على أراضيها، وهو ما تعتبره حقا قانونيا، كونها عضوا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث يحق للدول الأعضاء تطوير برامج نووية سلمية والتخصيب تحت رقابة دولية، موضحا أن العقيدة النووية الإيرانية تقوم على ركيزتين: الأولى رفض امتلاك أو استخدام سلاح نووي، والثانية التمسك بحق التخصيب داخل الأراضي الإيرانية. واعتبر أن ما عدا ذلك، بما فيه مصير اليورانيوم المخصب، يبقى قابلا للتفاوض.
وفي ما يتعلق بدور باكستان، أشار عتريسي إلى أنها تعد وسيطا مقبولا من الطرفين، نظرا لعلاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة، وللعلاقات الإيجابية التي تربطها بإيران، ما يجعلها قناة مناسبة لنقل الأفكار بين الجانبين، لافتا إلى أن الوسيط يلعب دور نقل الشروط والردود بين الطرفين، في ظل غياب التواصل المباشر، مع أهمية أن يحصل هذا الدور بدقة ومن دون التأثير على مسار التفاوض.
واعتبر أن ملف التخصيب يشكل مدخلا أساسيا لأي تسوية، لكنه، في الوقت نفسه، من أكثر الملفات تعقيدا، نظرا للفجوة الكبيرة بين الطرفين، حيث تتمسك إيران بحقها في التخصيب، فيما يدعو الجانب الأميركي، متقاطعا مع الموقف الإسرائيلي، إلى وقف التخصيب أو تجميده لفترة زمنية قد تصل إلى خمس أو عشر سنوات.
وشدد عتريسي على أن التوتر القائم لم يعد محصورا في الملف النووي، بل توسع ليشمل ملفات أخرى، أبرزها الممرات المائية، حيث برز في الأيام الأخيرة الحديث عن مضيق هرمز، واحتمال التأثير على حركة الملاحة فيه، إضافة إلى التهديد بإقفال باب المندب، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر جدية، موضحا أن هذه التطورات بدأت تنعكس على أسعار الوقود والمواد الغذائية، وعلى استهلاك المخزون الاستراتيجي في بعض الدول، ما يدل على أن الأزمة باتت عالمية التأثير، ولم تعد محصورة بإيران أو الولايات المتحدة.
وأكد أن كل الأطراف تسعى إلى إيجاد حل، بما فيها إيران، لكن وفق ما تعتبره حقوقا لها، سواء في التخصيب أو في موقعها الجغرافي، لافتا إلى أن استمرار الأزمة من دون تفاهم قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، مع تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.
واعتبر عتريسي أن الرئيس الأميركي يعيش اليوم أزمة حقيقية، مشيرا إلى أنه لا يستطيع أن يفرض حلول على إيران ولا يستطيع فتح مضيق هرمز بالقوة وبالوقت نفسه لا يستطيع التراجع.
في المحصلة، لا تزال المفاوضات بين طهران وواشنطن عالقة بين الضغط والتفاوض، ومع تمسك كل طرف بشروطه تبقى المنطقة أمام مرحلة من شد الحبال قد تتجه نحو تسوية كما قد تنزلق إلى مزيد من التصعيد، في وقت يتجاوز فيه تأثير هذا المسار الملف النووي ليطال التوازنات الإقليمية والاقتصاد العالمي، ما يبقي التطورات مفتوحة على مختلف الاحتمالات.