تتناول القراءات السياسية الراهنة مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها جزءا من تحولات أوسع في بنية النظام الإقليمي، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول تداعيات نجاح هذه المفاوضات أو فشلها على مستوى المنطقة والعالم.
تتناول القراءات السياسية الراهنة مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها جزءا من تحولات أوسع في بنية النظام الإقليمي، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول تداعيات نجاح هذه المفاوضات أو فشلها على مستوى المنطقة والعالم.
في هذا السياق، أشار المحلل السياسي توفيق شومان إلى أن هذه المفاوضات لا تقتصر على المسار العسكري أو الإطار النووي فحسب، بل تندرج ضمن عملية أوسع لإعادة رسم نظام إقليمي جديد تشارك في صياغته كل من طهران وواشنطن، بحيث يشمل هذا النظام أبعادا أمنية وسياسية واقتصادية، تتفرع عنها تفاصيل عدة. وقال إن الوصول إلى نتائج معينة في هذه المفاوضات قد يمهد لمرحلة من تطبيع العلاقات بين الطرفين، مشيرا إلى أن القوة الأميركية بلغت حدودها القصوى، وأن الرهانات السابقة على إسقاط النظام الإيراني أو تحريك الشارع الداخلي أو إحداث انشقاقات داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية لم تعد قائمة، بعدما ثبت فشلها. ولفت إلى أن خيار الغزو البري لم يعد مطروحا بجدية، في ظل رفض الإدارة الأميركية تكرار تجارب سابقة مثل حرب العراق 2003 أو الحرب في أفغانستان أو حرب فيتنام، ما أدى إلى ترجيح المسار التفاوضي بوصفه الخيار الأساسي، خصوصا في ما يتعلق بتحديد نفوذ الطرفين في المنطقة ضمن إطار نظام إقليمي جديد تكون كل من إيران والولايات المتحدة في صلبه.
ورأى عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هناك ملفين خرجا إلى حد كبير من دائرة التفاوض، هما المنظومة الصاروخية الباليستية الإيرانية، إضافة إلى حلفاء إيران في المنطقة، وهو ما يثير قلق إسرائيل بشكل واضح.
وفي ما يتعلق باحتمال فشل الجولة الثانية من المفاوضات، رأى شومان أن كلا من الطرفين الإيراني والأميركي يمتلكان قناعة بضرورة الوصول إلى حل، حتى وإن لم تتحقق نتائج حاسمة في هذه الجولة. لكنه لم يستبعد، في حال الفشل، أن تتصاعد وتيرة النزاع عبر وسائل عدة، من بينها احتمال تنفيذ ضربات عسكرية محدودة من قبل الولايات المتحدة، بهدف زيادة الضغط والعودة مجددا إلى طاولة المفاوضات.
وأشار إلى أن الأجواء العامة، لا سيما من الجانب الباكستاني، تتسم بقدر كبير من التفاؤل، مع الإبقاء على عنصر المفاجأة ضمن الحسابات. وفي حال تعثر المفاوضات، قد تلجأ واشنطن إلى فرض حصار اقتصادي، وربما تنفيذ عمليات عسكرية محدودة في بعض الجزر الإيرانية في الخليج، مع استبعاد خيار الحرب الشاملة، نظرا لما قد تجره من صراع طويل من دون تحقيق أهداف واضحة أو وجود رؤية سياسية متكاملة لدى الإدارة الأميركية.
وأكد شومان أن المفاوضات معقدة وقد تمتد إلى جولات متعددة، إلا أن استمرارها ضمن إطار البحث عن توافقات لإعادة صياغة نظام إقليمي جديد يعزز احتمالات الوصول إلى حل وسط في نهاية المطاف، مشددا على أن الدول الإقليمية، حتى تلك غير المنخرطة مباشرة في النزاع، مثل تركيا ومصر، قد تؤدي أدوارا مؤثرة، إلى جانب الوساطة التي تقوم بها باكستان، فضلا عن دور المملكة العربية السعودية، حيث تتقاطع مواقف هذه الدول عند ضرورة وضع حد للتصعيد.
وأشار أيضا إلى وجود تيار داخل الإدارة الأميركية، يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، يميل إلى التفاوض، إلا أن مجمل المعطيات تشير إلى أن خيار العودة إلى حرب شاملة بات مستبعدا وغير مرغوب فيه على نطاق واسع.
وختم شومان: المسار التفاوضي، على الرغم من تعقيداته، يبقى الخيار الأكثر ترجيحا مقارنة بالخيارات الأخرى، مع إمكان أن يقود في نهاية المطاف إلى تفاهمات إيرانية أميركية ضمن إطار إقليمي جديد يعيد ترتيب موازين القوى في المنطقة.
وفي النتيجة، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفصلية تتراوح بين التصعيد المحدود والتسويات السياسية بين واشنطن وطهران، فيما يبقى الرهان الأكبر على نجاح المساعي الدبلوماسية في تجنب مواجهة واسعة النطاق.