في لحظات بدت حاسمة قبيل انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي توعد فيها إيران بدمار شامل، برزت مفاجأة لافتة تمثلت بإعلانه الموافقة على مبادرة باكستان والدخول في هدنة موقتة مع طهران تمتد لأسبوعين، تمهيدا لانطلاق مفاوضات في إسلام آباد اعتبارا من يوم الجمعة المقبل.
فما الذي دفع إلى هذا التحول المفاجئ؟ وهل نحن أمام تهدئة فعلية أم مجرد استراحة تكتيكية؟ وإلى أين تتجه الأوضاع في المنطقة؟ وماذا عن لبنان في ظل إعلان إسرائيل أن وقف إطلاق النار لا يشمله؟
في قراءة لتلك التطورات، رأى الصحافي علي الأمين أن النهج الذي يعتمده الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يعكس مزاجا شخصيا عابرا، بل ينتمي إلى مدرسة سياسية واضحة في إدارة الصراعات، مشيرا إلى أن هذا النمط يتسم أحيانا بسمات استعراضية وتصعيدية، ويجمع بين الحدة والمرونة التكتيكية، بما يمنحه طابعا خاصا في مقاربة الأزمات الدولية.
وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن دونالد ترامب ذهب إلى الحد الأقصى في ممارسة الضغوط على إيران، خصوصا عندما لوح باستهداف شامل للبنية الحضارية والعسكرية للدولة الإيرانية، لافتا، في المقابل، إلى أن طهران تعتمد تقليديا سياسة "حافة الهاوية"، إذ تميل إلى التصعيد في المراحل الأولى، قبل أن تعود إلى التراجع وتقديم تنازلات في اللحظات الحرجة.
وقال الأمين إنّ المشهد الذي سبق الحرب أظهر تمسك كل طرف بمواقفه، حيث اعتبر كل من الجانبين نفسه منتصرا. إلا أن إيران تعرضت، وفق المعطيات المتداولة، لضربات قاسية طالت آلاف الأهداف، بما فيها منشآت عسكرية ومراكز مرتبطة بالبرنامج النووي وقيادات بارزة، ما يشير إلى حجم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها.
ومع ذلك، لفت إلى أن النظام الإيراني يعتمد في تقييمه للنتائج على مبدأ البقاء، إذ يعتبر نفسه منتصرا طالما استمر قائما، بغض النظر عن حجم الخسائر المادية أو البشرية.
وفي ما يتعلق بالتطورات الأخيرة، رأى الأمين أن ما حصل لا يمثل نهاية للحرب، بل هدنة موقتة يفترض أن تمتد لأيام عدة، تتخللها مفاوضات بين الطرفين، مشيرا إلى أن كل طرف يسعى إلى تقديم نفسه على أنه حقق أهدافه، في حين أن الوقائع على الأرض تعكس توازنا هشا وقابلا للانفجار مجددا.
وأكد أن أي اتفاق نهائي لن يكون ممكنا من دون تحقيق الولايات المتحدة لأهداف أساسية، في مقدمتها حسم ملف البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية الباليستية، إضافة إلى النفوذ الإقليمي لطهران. وفي المقابل، قد تلجأ إيران إلى طرح صيغ تفاوضية تتضمن رفع العقوبات مقابل التزامات نووية، وفتح باب الاستثمارات الأميركية، بما يشكل أرضية محتملة لتسوية.
ورأى الأمين أن الإدارة الأميركية قد تكون حسمت خيار المواجهة العسكرية مسبقا، بغض النظر عن العروض الإيرانية، بهدف إضعاف البنية العسكرية والأمنية للنظام، قبل العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر تشددا، لافتا، في هذا السياق، إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مفاوضات حاسمة خلال أسابيع، ستحدد ما إذا كانت الأطراف ستتجه نحو تسوية سياسية، أم نحو جولة جديدة من التصعيد، خصوصا في ظل إدراك متزايد داخل إيران لحجم الخسائر التي تكبدتها.
أما على المستوى الإقليمي، فتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى تعميق الشرخ بين الدول الخليجية وإيران، وزيادة منسوب التوتر وعدم الثقة في المرحلة المقبلة.
وفي ما يخص لبنان، أشار الأمين إلى أن المعطيات الحالية تفيد بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة، على الرغم من إعلان حزب الله الالتزام بوقف إطلاق النار، مؤكدا أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يبدو ملتزما بإدراج لبنان ضمن أي تفاهم، ما يعني أن الجبهة اللبنانية مرشحة لمزيد من التصعيد.
وقال إنّ وقف إطلاق النار مع إيران قد يدفع إسرائيل إلى تكثيف عملياتها في لبنان، مستفيدة من تراجع الضغط العسكري على الجبهة الإيرانية، ما ينذر بمرحلة أكثر خطورة في المنطقة.
بناء على ما تقدم، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفصلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المسارات التفاوضية، وسط احتمالات مفتوحة بين التسوية والتصعيد، ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في رسم ملامح المشهد الإقليمي.