April 07, 2026   Beirut  °C
سياسة

التهدئة تحت الاختبار.. العميد المتقاعد أندريه بو معشر: هدنة الـ 45 يوما ليست حلا بل إدارة للأزمة

في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتواصل المحادثات عبر وسطاء إقليميين من باكستان ومصر وتركيا، سعيا لإقرار هدنة محتملة لمدة 45 يوما قبل انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة. هذا المسار يعد الفرصة الأخيرة لتجنب تصعيد شامل قد يشمل الخليج ومضيق هرمز، بينما تبقى الخطط العسكرية الأميركية جاهزة لضرب منشآت الطاقة الإيرانية. الواقع الراهن يعكس هشاشة التوازن الاستراتيجي، إذ تتقاطع إدارة الأزمة مع حسابات القوة، في وقت يترقب فيه العالم نتائج تفاوض قد تحدد شكل المرحلة المقبلة في قلب الشرق الأوسط.

وفي هذا الإطار، أوضح رئيس الهيئة التنفيذية لمركز الولاء للوطن للبحوث والدراسات والعميد الركن الطيار المتقاعد أندريه بو معشر أن هدنة الـ 45 يوما ليست حلا بحد ذاته، بل أداة لإدارة الأزمة تستخدم عندما يعجز الطرفان عن الحسم، إذ الهدف منها تجميد التصعيد وشراء الوقت وليس إنهاء الصراع. وقال إنّ هذه الهدنة لن تتحول مباشرة إلى اتفاق شامل، بل إلى إطار تفاوضي محدود يعيد توزيع الضغط بدل إنهاء النزاع، وهي في جوهرها تأجيل للمواجهة بشروط مختلفة لأن أي طرف لم يغير بعد حساباته الاستراتيجية.


ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن أي خرق للهدنة لن يكون حادثا معزولا، بل إعلان فشل كامل للمسار السياسي، إذ أنّ الردود لن تعود تدريجية بل ستأتي بسقف أعلى وقد تشمل منشآت الطاقة والبنى الحيوية، ما يعني انتقال الصراع إلى مستوى أخطر، والأهم أن أي خرق سيؤكد أن التفاوض مجرد مناورة، ما سيدفع الأطراف إلى استبدال السياسة بالقوة بشكل كامل ويجعل التصعيد مسارا شبه حتمي.


وعن العوامل التي قد تضمن نجاح الهدنة وتقلل فرص التصعيد، شدد بو معشر على أن الإرادة السياسية الحقيقية بعدم التصعيد هي العامل الحاسم، لأن كل الأطراف لا تزال تعتقد أنها قادرة على تحسين موقعها بالقوة، ما يجعل الحديث عن ضمانات شكلية مضللا، لأن الأزمة ليست في الآليات بل في النوايا.


وعن فرضية فشل الهدنة، خصوصا في منطقة الخليج، أشار إلى أنّ هناك ثلاثة مسارات غير متساوية: الأول، اتفاق متوازن ينهي الصراع، وهو الأكثر عقلانية لكنه الأقل احتمالا بسبب عمق الخلاف. الثاني، استمرار الصراع مع تخفيف جزئي للعمليات الأميركية وبقاء الضغط على مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى حرب استنزاف اقتصادية مفتوحة. الثالث، احتمال ضعيف جدا، وهو قبول إيران اتفاقا يفسر كاستسلام. وقال: الخطر الحقيقي ليس الانفجار الكبير، بل استمرار النزيف من دون نهاية.


وعن دور الوسطاء الإقليميين والمجتمع الدولي، أكد بو معشر أن الوسطاء يحاولون تسهيل التفاهم لا فرضه، وأنهم يعالجون الأعراض لا أصل المشكلة، لذلك تبقى فعاليتهم محدودة أمام غياب القرار الاستراتيجي لدى الأطراف الأساسية، مشددا على أنّ الوساطة تؤخر الانفجار لكنها لا تمنعه إذا كانت أسبابه قائمة.


أما عن تأثير الهدنة على الأسواق النفطية، فأوضح أن نجاح المفاوضات سيؤدي إلى انخفاض تدريجي للأسعار، معتبرا أنّ الأسواق لن تعود سريعا إلى طبيعتها لأن الثقة تحتاج وقتا لإعادة البناء، في حين أن الفشل سيجعل الطاقة أداة ضغط دائمة، إذ يكفي تهديد بسيط لرفع الأسعار عالميا، ما يعني دخول السوق مرحلة التسييس الكامل للطاقة.


وقال بو معشر إن المهلة التي منحها ترامب (20 ساعة) ليست إجراء روتينيا، بل ضغط تفاوضي مباشر ومكثف، ويكشف أن واشنطن تريد نتيجة سريعة لكنها لا تريد حربا مفتوحة، مستخدمة التصعيد كأداة وليس هدفا، وهو ما قد يؤدي لنتائج عكسية، لأن الطرف الآخر سيضطر للاختيار بين التراجع أو التصعيد.


وفيما يتعلق بالتهديد بالدمار الشامل إذا فتحت إيران فتح مضيق هرمز، أوضح أنّ الرسالة تمثل خطا أحمر واضحا، لكنها قد تدفع نحو الحرب بدل منعها، إذ يرى الطرف المقابل فيها محاولة لفرض استسلام غير مباشر، وهو ما يجعل التوازن الراهن دقيقا: الردع قد يمنع الحرب لكنه قد يشعلها أيضا.


وعن إمكانِ شمول أي اتفاق وقف تمويل الأذرع أو حل جذري للصراع في لبنان، شدد بو معشر على أن أي اتفاق أولي سيحاول ضبط السلوك لا تغييره جذريا، والسؤال الأهم يبقى: هل يمكن تغيير وظيفة إيران في المنطقة؟ والجواب الأقرب حتى الآن: لا، أو على الأقل ليس في هذه المرحلة.


وقال: ما يحصل اليوم ليس مفاوضات لإنهاء حرب، بل محاولة لإدارة صراع لا أحد قادر على إنهائه. كل طرف يتحدث عن السلام، لكنه يحرك قواته لتحسين موقعه في الحرب، معتبرا أنّ المفارقة الأخطر أن اللحظة الأقرب للاتفاق قد تكون نفسها الأقرب للتصعيد، لأن كل طرف يريد دخول التسوية من موقع أقوى، ما يجعل المرحلة الحالية من أخطر مراحل الصراع.


أضاف بو معشر: السؤال لم يعد: هل ستنجح هدنة الـ45 يوم؟ السؤال الحقيقي: هل المنطقة على وشك تسوية أم على وشك التحول إلى نموذج دائم من الحروب المفتوحة؟ فالبديل عن الاتفاق ليس مجرد استمرار القتال، بل تحويله إلى حالة طبيعية، حيث تصبح الممرات البحرية رهينة، والطاقة سلاحا، والحرب قاعدة، لا استثناء.


في المحصلة، هدنة الـ 45 يومًا ليست أكثر من مهلة لإرجاء الانفجار، لا حلًا للصراع بين الولايات المتحدة وإيران. فالمنطقة على حافة مواجهة مفتوحة، حيث يمكن أن تتحول الممرات البحرية رهينة، والطاقة سلاحًا، والحرب قاعدة ثابتة. والنجاح أو الفشل في ضبط التصعيد سيحدد مستقبل الشرق الأوسط: إما تهدئة موقتة تبقي باب الحوار مفتوحًا، أو انزلاق لا رجعة فيه نحو صراع دائم يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي. وفي هذه المعادلة، يبقى التوازن هشًا، واللحظة الحالية من أخطر ما مرت به المنطقة منذ عقود.