في ظل تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعتها داخل المدن الإيرانية، يبرز تساؤل جوهري حول الاتجاه الذي تسلكه إيران في مرحلة ما بعد هذه التحركات الشعبية، بين خيار الاحتواء والإصلاح أو الانزلاق نحو مزيد من القمع والمواجهة. وتأتي هذه التطورات في وقت حذر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب النظام الإيراني من مغبة الاستمرار في قمع المحتجين، مؤكدًا أن واشنطن تراقب ما يحصل ولن تقف مكتوفة الأيدي.
وفي السياق ذاته، ربطت إسرائيل بين ما شهدته فنزويلا من عملية عسكرية أميركية أدَّت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وبين ما يحصل في إيران. كما وجه السيناتور الأميركي ليندسي غراهام تحذيرات مباشرة للقيادة الإيرانية، ملمحًا إلى تدخل أميركيّ مباشر في حال لم توقف استخدام العنف ضد مواطنيها.
في المقابل، شدد المرشد الإيراني علي خامنئي على أن بلاده لن تسمح للولايات المتحدة بالعبث بأمنها واستقرارها كما فعلت في فنزويلا، على حد تعبيره، في مؤشر على تصاعد حدة الخطاب بين طهران وواشنطن بالتوازي مع احتدام الأزمة الداخلية.
في هذا السياق، قال مديرُ برنامج الدراسات الإقليمية في مركز دراسات الشرق الأوسط في الأردن الدكتور نبيل العتوم إن انطلاق الاحتجاجات من العاصمة الإيرانية يشير إلى تحول جغرافي لافت في ما يعرف بـ"مركز الغضب"، بعدما كان محصورًا في الأطراف والمدن البعيدة، معتبرًا أن انتقالَهُ إلى قلب المدن الكبرى يمثل تطورًا مقلقًا للنظام الإيراني، ليس من حيث الشكل، بل من حيث التوقيت والبيئة السياسية والاقتصادية المحيطة به.
وأوضح عبرَ مِنصّة "بالعربي" أن هذه الاحتجاجات تأتي في ظل أزمات داخلية غير مسبوقة تمر بها إيران، مشيرًا إلى أن نحو 40 مليون إيراني باتوا يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعجز ما يقارب 13 مليون شخص عن تأمين احتياجاتهم الأساسية من السلع والمواد الغذائية.
ولفت العتوم إلى أن معدلات التضخم تجاوزت 42%، في حين أعلنت 6 صناديق تقاعدية من أصل 9 إفلاسها، ما يهدد شريحة واسعة من المجتمع الإيراني بفقدان مصادر دخلها.
وأوضح أن هذه الأزمات تترافق مع شح حاد في المياه والطاقة وانهيار مستمر في العملة الوطنية، حيث فقد الريال الايراني (التومان) أكثر من 14% من قيمته في خلال الأشهر ال 6 الأخيرة، ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأشار العتوم إلى مفارقة وصفها بالمريبة في الموازنة الإيرانية الأخيرة التي أقرها مجلس الشورى، حيث رُفِعَت موازنة الدفاع بأكثر من 200%، على الرَّغم من الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، معتبرا أن هذا التوجه يعكس إصرار إيران على الاستمرار في مغامراتها الخارجية على حساب الاستقرار الداخلي ومعيشة المواطنين.
وأكد أن إيران تشهد اليوم تآكلًا متسارعًا في العقد الاجتماعي بين النظام وشرائح واسعة من المجتمع، موضحًا أن فئات كانت تشكل جزءًا من القاعدة الشعبية التقليدية للنظام، خصوصًا الشباب والطبقات الوسطى والدنيا، باتت تشعر بالتهميش وخسارة الامتيازات، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على تماسك النظام.
وقَالَ العتوم إِنَّ هذا التآكل طال حتى البازار، الذي كان يمثل شريكًا اقتصاديًا وداعمًا ضمنيًا للنظام، مُشيرًا إلى أن هناك مقولة شائعة في إيران تفيد بأن دخول البازار على خط الاحتجاجات يعني بداية الانهيار.
وبَيَّنَ أَنَّ الاحتجاجات الحالية تختلف جذريًا عن سابقاتها، لا سيما من حيث غياب القيادة الواضحة والشخصيات الرمزية، كما كان الحال في خلال الحركة الخضراء التي برز فيها مير حسين موسوي ومهدي كروبي.
وأوضح العتوم أن ما يحصل اليوم لا تقوده قوى إصلاحية تقليدية، بل فئات شبابية تتراوح أعمارها بين 20 و40 عامًا، لا تعترف بالرموز السياسية القديمة ولا ترى في التيار الإصلاحي ممثلًا لمطالبها، ما يضع هذا التيار أمام أزمة تمثيل حقيقية بعد سنوات من لعب دور صمام الأمان داخل النظام.
وقَالَ إِنَّ المشاركين في الاحتجاجات ينتمون في معظمهم إلى ما يعرف بالكتلة الصامتة، وهي شريحة مهمشة سياسيًّا، اقتصاديًّا واجتماعِيًّا، لكنها تحولت اليوم إلى فاعل احتجاجي من دون قيادة مركزية أو أجندة أيديولوجية واضحة، وإن كانت مطالبها تتسم بسقف مرتفع. أَضَافَ إِنَّ هَذِهِ المَطَالِب بدأت ذات طابع اقتصادي ومعيشي، لكنها سرعان ما تحولت إلى شعارات سياسية مباشرة، تستهدف رأس النظام والمؤسسة الحاكمة وَتُحَمِّلُهَا مسؤولية الأوضاع الراهنة، بما في ذلك الشعارات التي ترفض الإنفاق الخارجي وتطالب بإعطاء الأولوية للداخل الإيراني.
وحول تلويح المرشد الإيراني علي خامنئي باستخدام القمع واتهام المحتجين بتنفيذ أجندات خارجية، رَأى أَنَّ النظام الإيراني يعاني من تعدد مراكز القرار، في ظل وجود حكومة ذات طابع إصلاحي يقابلها نفوذ واسع لأجهزة أمنية وعسكرية تتبع للمرشد وتقودها تيارات محافظة متشددة، وهو ما يعقد أي استجابة موحدة للأزمة. وقال: القمع الكامل قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي أوسع، في حين أن التراخي قد يفسر كعلامة ضعف، ما يضع النظام أمام معادلة أمنية وسياسية بالغة التعقيد.
وأَشَارَ العتوم إلى أَنَّ التجارب السابقة أظهرت قدرة النظام على احتواء الاحتجاجات عبر العزل الجغرافي والاعتقالات واستخدام القوة، إضافة إلى اختراق الحراك، إلا أن الجديد اليوم يتمثل في تكرار موجات الاحتجاج من دون تقديم حلول جذرية، في ظل تراجع الموارد المالية واتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
واعتبر أن السؤال المطروح لم يعد مرتبطًا بإمكانِ سقوط النظام من عدمها، بل بحجم الكلفة السياسية، الأمنية والاقتصادية التي سيدفعها للحفاظ على بقائه.
ولَفَتَ العتوم إلى أن للحرس الثوري دورًا محوريًا في المشهد، مُشيرًا إلى سَيطرته على نحو 35% من الاقتصاد الإيراني عبر اقتصاد مواز ومؤسسات كبرى، ما يجعله جزءًا أساسِيًّا من الأزمة.
وختم: الولايات المتحدة وأوروبا تراقبان التطورات عن كثب وأَيّ محاولة لتدويل الاحتجاجات ستضع القيادة الإيرانية أمام خيارات صعبة بين كلفة القمع على الصعيد الدولي وكلفة التراجع داخلِيًّا، مُؤَكِّدًا أن ما تشهده إيران اليوم هو نتيجة مباشرة لسياساتها الداخلية ومغامراتها الخارجية.

