بعد الهجوم الدامي الذي استهدف احتفالًا بعيد "الحانوكا" اليهودي في منطقة شاطئ "بوندي" الشهير قرب مدينة سيدني، والذي أَدَّى إلى مقتل 12 شخصًا وجرح العشرات، سارعت إسرائيل إلى إِلقَاءِ اللوم على الحكومة الاسترالية، التي اعترفت في وقت سابق بدولة فلسطين، فيما ذكرت وسائل إعلام عبرية أَنَّ إيران تقف وراء الهجوم.
وعليه، كيف سيستثمر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، الغارق في أزمة محاكمته، هذا الهجوم، وهل يفتح باب الذرائع أَمَامَهُ لشن هجوم مشترك ضد إيران وحزب الله في آن، الأمر الذي يذكرنا بحادثة محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن التي أَدَّت مباشرة إلى اجتياح العام 1982 وصولًا الى بيروت؟
في هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت البروفسور هلال خشان إن إسرائيل لا تحتاج في الأساس إلى ذرائع لِكَيّ تشنّ هجماتها العسكرية، إلا أن وقوع هجمات ضد أهداف إسرائيلية أو يهودية في أي مكان في العالم يوفّر لها فرصة للقيام بعمليات عسكرية واسعة النطاق، لا سيما في المراحل التي تكون فيها مترددة أو خاضعة لحسابات سياسية ودولية دقيقة.
وأشار عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أن إسرائيل تواجه في المرحلة الراهنة ضغوطًا كبيرة من الإدارة الأميركية لعدم توسيع المواجهة وشن هجوم على لبنان، لافتًا إلى أن الموفد الأميركي توم براك زار إسرائيل في محاولة لإقناع قيادتها بتجنب أي تصعيد عسكري على الجبهة اللبنانية، على الأقل حتى نهاية العام الحالِيّ. وقال إِنَّهُ يتابع عن كثب ما تنشره الصحافة الإسرائيلية، التي تؤكد باستمرار أن المواجهة مع إيران لم تحسم بعد وأن العودة إليها ليست سوى مسألة وقت، يبدو أَنَّهُ حان الآن.
ورأى خشان أن التقديرات السائدة في إسرائيل تشير إلى أنه في حال قررت تل أبيب شن هجوم مباشر على إيران، فإن هذا الهجوم سيكون مُتَزَامِنًا مع عملية عسكرية واسعة ضد حزب الله في لبنان، مُعتَبِرًا أَنَّ التطورات الأمنية الأخيرة، لا سيما الهجوم الذي وقع في سيدني، ستشكل فرصة يستثمرها بنيامين نتنياهو لتعزيز موقعه السياسي والعسكري.
وأوضح أَنَّ نتنياهو يعاني من ضعف واضح على الصعيد الدبلوماسي، لكنه في المقابل يحقق مكاسب داخلية عندما ينتقل إلى ساحة المواجهة العسكرية، حيث يظهر بمظهر القائد الحازم القادر على تحقيق "إنجازات" ميدانية، خُصوصًا في الحروب غير المتكافئة التي لا تواجه فيها إسرائيل ردودًا فورية أو متناسبة. وَقَالَ أن نتنياهو يزدهر سياسِيًّا في أجواء الحرب أكثر مما يفعل في ساحات التفاوض والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، أشار خشان إلى أن القيادة العسكرية الإسرائيلية كانت متحفظة في الفترة السابقة على استئناف القتال قبل الانتهاء من إعادة بناء الجيش واستكمال الجاهزية، إلا أن التطورات الأخيرة قد تؤدي إلى نشوء حالة من الإجماع داخل إسرائيلَ على العودة إلى المواجهة. واعتبر أن هذا "الإجماع الإسرائيلي" هو بالضبط ما يسعى إليه نتنياهو، لأنه يمنحه غطاءً سياسِيًّا وشعبِيًّا لأي تصعيد عسكري مقبل.
وشَدَّدَ على أَنَّ نتنياهو يدرك أن الخضوع لضغوط داخلية أو خارجية، خصوصا الأميركية، لعدم التصعيد سيؤدي إلى فقدانه جزءًا كبيرًا من مصداقيته دَاخِلَ إسرائيل، مؤكِّدًا أَنَّ رئيس الحكومة الإسرائيلية يرى نفسه في مهمة "تاريخية" لتحقيق ما يعتبره أهدافًا مصيرية للدولة العبرية، وصولًا إلى تصورات أيديولوجية تتصل بفكرة "إسرائيل الكبرى".
وختم خشان: باتت الذرائع متوافرة اليوم بين يدي القيادة الإسرائيلية وسَيَستَغِلّ نتنياهو هذه اللحظة للعودة إلى القتال، مُشيرًا إلى أن ما قبل الهجوم في سيدني ليس كما بعده. وقال: أي ضغوط دولية أو أميركية، حتى تلك التي قد يمارسها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، لن تكون فاعلة في المرحلة المقبلة، إذ إن المزاج العام في إسرائيل، وبدعم من دوائر نافذة في الولايات المتحدة، بات يميل إلى تأييد التصعيد العسكري.