April 30, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

جاسم عجاقة لمنصة "بالعربي": خروج الإمارات من "أوبك" قد يشعل حرب أسعار عالمية

في خطوة تعد من أبرز التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي منذ سنوات، أعلنت الإمارات خروجها من منظمة أوبك، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة تتجاوز البعد النفطي التقليدي إلى حسابات أوسع تتصل بالمصالح الوطنية والتوازنات الاقتصادية والسياسية. فالقرار لا يقتصر على مسألة الحصص والإنتاج، بل يطرح تساؤلات حول مستقبل أوبك، وحجم المنافسة بين كبار المنتجين، وانعكاس ذلك على أسعار النفط ودول الخليج والدول المستوردة للطاقة، خصوصا في ظل استمرار إقفال مضيق هرمز وما يحمله من تداعيات على حركة النفط والتجارة العالمية. فهل سيشكل خروج الإمارات بداية مسار جديد في خريطة الطاقة العالمية؟

في هذا السياق، أكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفسور جاسم عجاقة أن قرار الإمارات الخروج من منظمة أوبك وأوبك بلاس هو بالدرجة الأولى قرار مرتبط بالمصلحة الوطنية الإماراتية، مشددا على أن الإماراتيين اتخذوا هذه الخطوة انطلاقا من حساباتهم الخاصة، من دون أن يكون هناك أي عامل إجباري، وبغض النظر عن كيفية قراءة الخارج لهذا القرار.


واعتبر عبر منصة "بالعربي" أن هذه الخطوة، من وجهة نظر المختصين بسوق النفط، تعد من أهم التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي منذ أكثر من خمسين عاما، لأنها تعكس تغييرا جذريا في طريقة إدارة الإنتاج والحصص، موضحا أن الإمارات كانت مقيدة داخل أوبك بنظام الكوتا الذي حدد إنتاجها بنحو 3.5 ملايين برميل يوميا، في حين أن قدرتها الفعلية يمكن أن تصل إلى نحو 5 ملايين برميل، مع وجود مشاريع لرفع هذه القدرة أكثر مستقبلا، وبالتالي فإن الخروج من المنظمة يمنحها حرية أكبر في الإنتاج وفق مصلحتها الاقتصادية. وقال: هذا القرار يحمل ايضا بعدا جيوسياسيا واضحا، لأنه يعكس تمايزا في الرؤية الإماراتية عن بعض المقاربات الخليجية الموحدة في التعامل مع الملفات الإقليمية والاقتصادية.


وفي سياق المنافسة العالمية، أشار عجاقة إلى أن عودة روسيا إلى تعزيز حصصها في الأسواق، واحيانا على حساب الحصص الخليجية، شكلت عامل ضغط إضافي، ما دفع الإمارات إلى اعتماد مقاربة مختلفة تقوم على حماية حصتها بدل خسارتها لصالح الآخرين، لافتا إلى أن توقيت القرار مرتبط ايضا بتطورات السوق العالمية، خصوصا مع زيادة المعروض النفطي وانخفاض الأسعار نتيجة عوامل عدة، من بينها السياسة الأميركية تجاه روسيا، وهو ما ينعكس على التوازنات العامة في سوق الطاقة. وفي المقابل، أوضح أن الإمارات تعتمد على اقتصاد متنوع قائم على التجارة والسياحة والخدمات، وتتجه حديثا نحو الذكاء الاصطناعي، ما يجعلها بحاجة إلى تمويل إضافي، وبالتالي فإن زيادة الإنتاج النفطي تشكل أداة أساسية لدعم هذا المسار.


وأكد أن الإمارات تسعى عمليا إلى زيادة إنتاجها النفطي واستعادة وتعزيز حصتها في السوق العالمية بهدف تمويل استثماراتها الكبرى، وليس فقط لتحقيق مكاسب ظرفية، محذرا، في الوقت نفسه، من أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام حرب أسعار بين الإمارات ودول أوبك وأوبك بلاس، حتى ولو بقي خطاب التعاون قائما ضمن المنظمة.


أما على مستوى أوبك، فرأى عجاقة أن خروج الإمارات، باعتبارها من أكبر المنتجين وضمن أكبر ثلاثة احتياطات نفطية في العالم، سيؤثر بشكل مباشر على قدرة المنظمة على ضبط السوق والأسعار، خصوصا وأن نظام الكوتا كان يهدف إلى الحفاظ على أسعار تتراوح بين 70 و80 دولارا للبرميل. ومع هذا التحول، تصبح المنظمة أضعف نسبيا في التحكم بالأسعار، ما يفتح الباب أمام تقلبات أكبر في المرحلة المقبلة.


وأشار ايضا إلى أن احتمال خروج دول أخرى من أوبك ليس مستبعدا، مثل أنغولا التي غادرت سابقا، أو حتى الكويت أو العراق في حال وجدت أن مصلحتها الاقتصادية تقتضي زيادة إنتاجها لتخفيف الضغوط على الموازنات الوطنية، ما يجعل قرارات العضوية مرتبطة أكثر بالحسابات الداخلية لكل دولة.


وعن العلاقة بين السعودية والإمارات، أوضح عجاقة أن هناك اصلا منافسة اقتصادية قائمة بين البلدين، وهذا القرار سيزيد من حدتها، سواء على مستوى الإنتاج أو على مستوى مشاريع التصدير، خصوصا عبر تطوير بدائل عن مضيق هرمز، من خلال توسيع شبكات الأنابيب، سواء في السعودية باتجاه الشرق والغرب، أو في الإمارات باتجاه الشط العماني، ما يعكس توجها نحو تنويع طرق الإمداد وتقليل الاعتماد على الممرات الحساسة.


أما عن تأثير الأسعار، فرأى أن الأثر في المدى القصير سيكون محدودا، بينما التأثير الأهم مرتبط بتطورات مضيق هرمز، معتبرا أنه على المدى الطويل، ومع احتمال دخول السوق في حرب أسعار وتزايد الإنتاج الأميركي، قد نشهد تراجعا في الأسعار نحو حدود 60 دولارا للبرميل، ما ينعكس سلبا على الدول المنتجة التي تختلف نقاط توازن موازناتها من بلد إلى آخر.


وقال عجاقة: كانت ترى الإمارات نفسها مقيدة داخل أوبك بلاس من حيث التأثير على القرار، وهذا ما ساهم في اتخاذ قرار الخروج لتعزيز استقلالية قرارها الإنتاجي، مع التأكيد أن أي زيادة في الإنتاج تبقى محكومة بمنطق السوق لتفادي انعكاسات سلبية على الأسعار، فيما تبقى المرحلة المقبلة مرتبطة ايضا بتطورات مضيق هرمز وإمكانية عودة تدفق النفط الإيراني، وما قد يحمله ذلك من إعادة رسم لمعادلات سوق الطاقة العالمية.


في المحصلة، يضع خروج الإمارات من منظمة أوبك أمام اختبار فعلي لقدرتها على الحفاظ على تماسكها، كما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تنافسية بين كبار المنتجين، عنوانها الأساسي حماية الحصص لا إدارة التوافقات، في ظل تغيرات متسارعة في السوق والمصالح تعيد رسم معادلات قطاع الطاقة بشكل أوضح نحو مزيد من المنافسة واعتماد كل دولة على مصلحتها المباشرة.