March 05, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

الذهب والتخبّطات السريعة: هلع المستثمرين وترقّب للأرقام

في ظلّ حالة الترقّب التي تسيطر على الأسواق العالمية، عاد الذهب ليتصدّر المشهد الاقتصادي من جديد. فبعد الارتفاع الحادّ الذي سجّله في خِلالِ الأسبوعين الماضيين، عاد المعدن الأصفر ليسجّل هبوطًا قياسيًا مطلع هذا الأسبوع، في حركة مفاجئة أعادت خلط التوقّعات وأثارت قلق المستثمرين والمواطنين على حدّ سواء.

هذا التراجع السريع فتح باب التساؤلات حول أسبابه الحقيقية، وما إذا كان مجرّد تصحيح طبيعي بعد موجة صعود قوية أم إشارة إلى تحوّل أعمق في مسار الذهب في المرحلة المقبلة، لا سيما في ظلّ استمرار الضبابية الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية.

ومع هذا التخبط المفاجئ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما يحدث اليوم هو مؤشّر تحوّل جذري في سوق الذهب أم بداية موجة جديدة من التقلبات العنيفة التي ستواصل اختبار قدرة المعدن الأصفر على الصمود؟

في هذا الإطار، اعتَبَرَ أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية البروفسور جاسم عجاقة أَنَّ ما تشهده الأسواق لا يمكن فصله عن طبيعة الأصول المالية نفسها، التي تتحرّك ضمن مسارات غير قابلة للتنبؤ الدقيق، وإن أمكن استشراف اتجاهها العام.

 

وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ التراجع الأخير في أسعار الذهب لا يعكس تغيّرًا في العوامل الأساسية الداعمة له، بل يعود بالدرجة الأولى إلى أزمة سيولة طارئة في الأسواق العالمية. فقد أدّت خطوات مالية اتخذتها شركات أميركية كبرى، لا سيما عبر رفع رؤوس أموالها، إلى استنزاف السيولة المتوافرة في السوق، بالتزامن مع الارتفاع الكبير الذي سجّله الذهب في خِلالِ الفترة الماضية.

 

وفي هذا السياق، أَشَارَ عجاقة إلى أَنَّ شركات البورصة العالمية عَمَدَت إلى رفع متطلبات الهوامش المالية على المتعاملين في عقود الذهب، ما فرض على المستثمرين تأمين سيولة إضافية لم تكن متاحة في ظل شحّ الأموال. ومع تعذّر تلبية نداءات الهامش، لجأت الأنظمة المالية تَلقَائِيًّا إلى تصفية المراكز المفتوحة عبر عمليات بيع سريعة، ما أدّى إلى انخفاضٍ حَادّ في الأسعار وخلق حالة من الذعر في الأسواق لا تزال انعكاساتها مستمرّة.

 

وعلى الرَّغمِ مِن هذا التَّراجُع، شَدَّدَ على أَنَّ العوامل الأساسية التي دفعت بأسعار الذهب صعودًا لا تزال قائمة، وفي مقدّمها غياب نمو اقتصادي عالمي مستقر واستمرار التوترات الجيوسياسية، سواء على مستوى الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين أو التوتر العسكري القائم بين واشنطن وطهران، مع استمرار الغموض حول مآلات هذه الصراعات.

 

وعن انعكاسات هذه التطوّرات على المواطنين، مَيَّزَ عجاقة بَينَ حاملي الذهب المادي، كالأونصات والسبائك، وبين المستثمرين في الأسواق المالية. فالأولى، برأيه، لم تتكبّد خسائر فعلية طالما لم تَبيع، بل خسائر غير محقّقة، إذ لا يزال الذهب في حوزتها وقيمته قابلة للارتفاع مجددًا. في المقابل، قد يكون المستثمرون في الأدوات المالية المرتبطة بالذهب قد تكبّدوا خسائر فعلية نتيجة التقلّبات السريعة.

 

كَمَا لَفَت إلى أَنَّ التخلّي عن الذهب المادي ليس خطوة سهلة، نظرًا للعمولات المرتفعة التي تفرضها الأسواق، ما يجعل الاحتفاظ به خيارًا منطقيًا في ظلّ التوترات القائمة، دَاعِيًا، في هذا الإِطَار،، إلى اعتماد سياسة تنويع المحافظ الاستثمارية وعدم حصر المدّخرات في أصل واحد.

 

وفي ما يتعلّق بالجدل السياسي حول احتياطي الذهب اللبناني، رَأى عجاقة أَنَّ النقاش لا يجب أن يُختزل بفكرة البيع المباشر، محذّرًا من مخاطر التفريط بالأصول في ظل تقلّبات الأسعار. واعتبر أن هناك بدائل مالية تتيح الاستفادة من قيمة الذهب، كالرهن أو إصدار سندات مدعومة به، من دون فقدانه، شرط أن تترافق هذه الخطوات مع إصلاحات جدّية تضمن عدم هدر الموارد العامة.

 

وأَكَّدَ أَنَّ الاستخدام الجزئي والمدروس لاحتياطي الذهب قد يشكّل أحد الخيارات الواقعية للمساهمة في معالجة الأزمة المالية وأزمة الودائع، شرط إخضاعه لإدارة شفافة ومعايير دولية صارمة، تحول دون أي تلاعب وتضمن توظيفه في خدمة الاقتصاد والمصلحة العَامَّة.

الذهب والتخبّطات السريعة: هلع المستثمرين وترقّب للأرقام
الذهب والتخبّطات السريعة: هلع المستثمرين وترقّب للأرقام - 1