January 20, 2026   Beirut  °C
اقتصاد

بتكوين وإعادة التموضع

بعد أشهر طويلة من التداول ضمن نطاق ضيق، عادت بتكوين لتسجل أعلى مستوياتها في شهرين، في حركة لا يمكن قراءتها على أنها مجرد ارتداد تقني أو موجة مضاربية عابرة. ما نشهده اليوم هو نتيجة تراكُم عوامل اقتصادية، مالية وجيوسياسية، أعادت تسليط الضوء على موقع بتكوين دَاخِلَ مَنظُومَة الأصول العالمية، ليس فقط كأصل عالي المخاطر، بل كأداة تحوّط وملاذ بديل في زمن تآكل الثقة بالأنظمة التقليدية.

في خلال الفترة الماضية، بَقِيَت بتكوين متأخرة نِسبِيًّا عن موجات الصعود التي شهدتها أسواق الأسهم والمعادن النفيسة، لا سيما الذهب. هذا التأخر خلق حالة من الترقب والحذر في السوق وأبقى السيولة في وضعية انتظار. لكن مع تسجيل العملة اختراقًا وَاضِحًا لمستويات فنية مهمة، تزامُنًا مع تدفقات قوية على صناديق الـETF، بدأنا نرى تحوّلًا حَقِيقِيًّا في سلوك المستثمرين.

في هذا السِّياق، رَأَى الخبير في العملات الرقمية ميشال الهبر أَنَّ هذا الصعود لا يمكن فصله عن ثلاثة محاور رئيسية: البيئة الاقتصادية الكلية وتراجع الثقة بالدولار، ضغط مراكز البيع وتغيّر ديناميكية السوق وعودة سردية "اللحاق بالذهب".

 

وشَرَحَ عَبر مِنصّة "بالعربي" كُلّ هذه المَحَاوِر، مُشيرًا إلى أَنَّ بيانات التضخم الأميركية التي جاءت أقل من التوقعات شكّلت نقطة تحوّل نفسية في الأسواق. فكل إشارة إلى تراجع الضغط التضخمي تعني عَمَلِيًّا أن الفيدرالي بات أمام خيارات أصعب: إما الاستمرار في سياسة نقدية مشددة مع مخاطر ركود أو التراجع التدريجي مع ما يحمله ذلك من ضعف إضافي في الدولار.

 

وأَوضَحَ الهبر أَنَّهُ في مثل هذه البيئات، تاريخِيًّا، تتجه رؤوس الأموال نحو الأصول العينية والبديلة. الذهب استفاد من هذا الأَمِر مبكرًا، واليوم نرى بتكوين تلتحق بهذه الموجة، ولكن من زاوية مختلفة: بتكوين ليست فقط مخزنًا للقيمة، بل أصل لا مركزي خارج سيطرة أي نظام نقدي أو سياسي.

 

وفي ما خَصّ ضغط مراكز البيع وتغيّر ديناميكية السوق، شَرَحَ أَنَّهُ لا يمكن تجاهل الدور الكبير الذي لعبه ما يُعرف بـ "الضغط على مراكز البيع على المكشوف"، مُعتَبِرًا أَنَّ تصفية مئات الملايين من الدولارات في أسواق المشتقات لا تعكس فقط حركة سعرية، بل تكشف عن تموضع خاطئ لشريحة من المتداولين الذين راهنوا على استمرار الضعف.

 

وقَال: الأهم هنا ليس التصفية بحد ذاتها، بل ما بعدها. ما نراه اليوم هو انتقال تدريجي من سوق يحركه المضاربون قصيرو الأجل، إلى سوق تبدأ فيه المحافظ المتوسطة وطويلة الأجل بإعادة بناء مراكزها، مدفوعة بسردية مختلفة تَمَامًا.

 

وعَن عودة سردية "اللحاق بالذهب"، الذي يَعتبره الهبر أَحَد المَحاوِر الرَّئيسِيَّة الثلاثة لصعود البتكوين، لَفَت إلى أَنَّهُ لطالما طُرحت بتكوين على أنها "ذهب رقمي"، لكن هذه السردية كانت في كثير من الأحيان نظرية أكثر منها عملية. اليوم، ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، الجدل حول استقلالية البنوك المركزية وتنامي المخاطر السيادية في أكثر من منطقة، بدأت هذه المقارنة تأخذ بُعدًا عَمَلِيًّا.

 

وقال: برَأي، نحن نشهد مرحلة إعادة تسعير لدور بتكوين وليس فقط لسعرها. المستثمر المؤسسي لم يعد ينظر إليها كأصل هامشي أو تجربة تكنولوجية، بل كجزء محتمل من مزيج الأصول، خُصوصًا في ظل عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التسييس النقدي والديون المرتفعة.

 

ورَدًّا على سؤال حَول ما إِذا ما نشهده هو بداية موجة صعود مستدامة؟ رَأَى الهبر أَنَّ الإجابة تعتمد على عامل واحد أساسي، أَلَا وهو الاستمرارية، مُعتَبِرًا أَنَّ الاختراقات السعرية لا تُقاس بالوصول إلى مستوى مُعَيَّن، بل بالقدرة على الثبات فوقه. فَتَجَاوز مستويات 95 – 100 ألف دولار بشكل مستدام، مدعومًا بتدفقات سيولة حقيقية وليس فقط تصفيات فنية، قد يفتح الباب أمام إعادة اختبار مستويات أعلى بكثير، بما فيها المتوسطات المتحركة طويلة الأجل.

 

في المُقَابِل، قالَ: لا بد من الإقرار بأن بتكوين ستبقى أصلًا حَسَّاسًا للأخبار الكلية، لا سيما أي مفاجآت تتعلق بالسياسة النقدية الأميركية أو التنظيمات المرتبطة بالعملات المشفرة.

 

أَضافَ الهبر: ما نشهده اليوم ليس مجرد خبر إيجابي في سوق العملات المشفرة، بل إشارة إلى تحوّل أعمق في طريقة تفكير المستثمرين. لم تَعُد تُقارن بتكوين فقط بأصول عالية المخاطر، بل أَصبَحَت تُدرج في النقاش نفسه مع الذهب والأصول العينية كوسيلة تحوّط في عالم يزداد اضطِرَابًا.

 

وخَتَم: المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حَقِيقِيًّا لقدرة بتكوين على ترسيخ هذا الدور والانتقال من أصل يتفاعل مع الأخبار إلى أصل يُعاد تموضعه استراتيجِيًّا دَاخِلَ المحافظ الاستثمارية.

بتكوين وإعادة التموضع
بتكوين وإعادة التموضع - 1