في مشهد يعكس تصاعد القلق داخل أروقة الحكم في طهران، دخلت الاحتجاجات التي يقودها تجار إيرانيون منذ يومين متتاليين مرحلة لافتة، بعد تمددها في عدد من شوارع العاصمة ومدن إيرانية أخرى، احتجاجًا على الانهيار المتسارع للريال الإيراني أمام الدولار.
هذه التظاهرات الحاشدة، التي دفعت الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى مطالبة وزير داخليته ب"الاستماع لمطالب الشعب"، تفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مصير هذا الحراك، وحدود تعاطي النظام الإيراني معه: هل ستحتوى كَسابقاتها أم تتحول إلى أزمة أعمق؟ وهل يمكن أن تشكل، في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة، خطرًا وجودِيًّا على النظام؟ كما يثير توقيت هذه الاحتجاجات علامات استفهام إضافية، خُصوصًا مَعَ تَزَامُنِها مَعَ اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا، ما يعيد طرح فرضيات الضغوط الإقليمية والدولية المتقاطعة مع الداخل الإيراني.
تعليقًا على تلك التطورات، أوضح الكاتب والناشط السياسي الاحوازي يوسف عزيزي أَنَّ الاحتجاجات انطلقت الأحد الماضي من بازار طهران، وهو السوق التجاري الأَكبَر في البلاد، حيث خرج التجار والكسبة احتجاجًا على الغلاء الفاحش والتضخم غير المسبوق الناتج عن الانهيار الحاد في سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار.
وأَشَارَ عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أَنَّ سعر الدولار بلغ نحو 1.45 مليون ريال، في حين كان لا يتجاوز 70 ريالًا عند قيام الثورة في العام 1979، ما يعكس حجم الانهيار الاقتصادي في خلال 47 عامًا، وهو ما دفع شرائح واسعة من المجتمع إلى النزول إلى الشارع.
وقال عزيزي إِنَّ الاحتجاجات توسعت أَمس الإثنين من منطقة البازار والوسط التجاري إلى شوارع وأحياء أخرى في طهران، والتحقت بها فئات شعبية واسعة، إِذ إِنَّ المُتَضَرِّرِينَ مِنَ التَضَخُّم وارتفاع الدولار لا يقتصرون على التجار، بل يشملون عموم المواطنين، نَظَرًا لتأثير ذلك على أَسعَار كُلّ السلع والخدمات.
وأَكَّدَ أَنَّ الاحتجاجات لم تشمل كل طهران، لكنها اندلعت في مناطق مختلفة منها، بما في ذلك شارع الجمهورية القريب من مقر المرشد الاعلى، كما امتدت إلى مُدُن أُخرى مثل همدان، كرمان، ملارد، كراج وغيرها، في مؤشر على اتساع رقعة الغضب الشعبي.
وقَالَ عزيزي إِنَّ الأَوضَاع المعيشية بلغت مرحلة لا يمكن للناس تحملها، مُعتَبِرًا أَنَّ السكين وصل الى العظم، بحسب وصفه، في ظل عجز الحكومة الإِيرانِيَّة الحالية عن تقديم حلول حقيقية لِلأَزمَةِ الاقتصادية واستمرار تحميل الولايات المتحدة وأوروبا مسؤولية الأوضاع عبر التذرع بالعقوبات.
ولَفَت إلى أَنَّ القيادة الإِيرانية، وعلى رأسها المرشد الاعلى، تتبنى خطَابًا مُتَشَدِّدًا يَقُومُ على فكرة الصراع مع الولايات المتحدة، اوروبا واسرائيل، ما يعني عَمَلِيًّا الدخول في مواجهة مع العالم بأسره، وهو ما ينعكس سَلبًا على الاقتصاد الداخلي.
وعن تأثير تلك التحركات على النِّظَامِ الإِيرانِيّ، خُصُوصًا بعد مسارعة الحرس الثوري الثوري إلى وصفها بأنها "سيناريو من صنع الأَعداء"، أَشَار عزيزي إلى أَنَّ المَطَالِب بدأت مهنية ومعيشية، لكنها سرعان ما تحولت في بعض المناطق إلى هتافات سياسية ضد المرشد والنظام، حيث سمع هتافات تصفه بالديكتاتور.
وأَوضَحَ أَنَّ القُوَّات الأَمنِيَّة بدأت بالفعل مواجهة المتظاهرين في بعض المناطق، مع ورود أَنباء غير مؤكدة عن سقوط قتلى في مدينة همدان، مُحَذِّرًا مِن أنََّ استمرار الاحتجاجات في خلال الايام المقبلة قد يدفع النظام إلى استخدام مزيد من العنف عبر الحرس الثوري والأَجهِزَة الأَمنِيَّة.
ورَأى عزيزي أَنَّ إِمكان تَحَوُّل هذه الاحتجاجات إلى تهديد جدي للنظام تبقى مرهونة بِعَوامِل عِدَّة، من بينها استمرارها لِأَكثَر مِن أُسبُوع واتساعها لتشمل عَدَدًا أَكبَر من المدن والمحافظات، مُشِيرًا إلى أَنَّهُ في حال تحقق ذلك، سيكون من الصعب على النظام السيطرة عليها بالوسائل الامنية التقليدية.
وفي ما يتعلق بِأَسبابِ الانهيار الاقتصادي، شَدَّدَ على أَنَّ العقوبات ليست العامل الوحيد، بل أَنَّ جزءًا كَبيرًا من ميزانية الدولة يُوَجَّه لدعم الميليشيات المرتبطة بإيران في المنطقة، من اليمن إلى العراق ولبنان، على حساب التنمية الداخلية ومعالجة الأَزَمَات الاقتصادية، خُصُوصًا في المناطق المهمشة مثل الأحواز، بلوشستان وكردستان.
وقَالَ عزيزي إِنَّ سوء الإِدَارَة يُمَثِّلُ سَبَبًا جَوهَرِيًّا للأَزمَة، مُعتَبِرًا أَنَّ النخبة الحاكمة من رجال الدين تفتقر إلى الكفاءة اللأزمة لِإدارة دولة حديثة وأَنَّهَا أَقصت الكفاءات والتكنوقراط، ما أَدَّى إلى هجرة ملايين الإِيرانيين إلى الخارج هربًا من القمع وسوء الإِدارة.
وختم: الجماهير باتت ترى في المرشد الأَعلى رَمزًا للإِستِبدَاد، وهو ما يفسر تصاعد الهتافات ضده، مُؤكِّدًا أَنَّ المَشهَد لا يزال مَفتُوحًا على كُلِّ الاحتمالات في ظل حالة الاحتقان الشعبي غير المسبوقة.

