March 05, 2026   Beirut  °C
انتخابات

الانتخابات النيابية في أيّار !

فيما يقترب موعد الاستحقاق الانتخابي في شهر أيّار، يبدو المشهد السياسي اللبناني هادئًا على غير عادته. فحتى اللحظة، لم تُسجَّل انطلاقة فعلية للمحرّكات الانتخابية لدى معظم الأحزاب والقوى السياسية، ولا تزال التحضيرات خجولة، أقرب إلى جسّ نبض وانتظار ما ستؤول إليه التطوّرات السياسية والأمنية، أكثر منها استعدادًا جديًا لمعركة انتخابية يُفترض أن تكون مفصلية في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.


هذا الجمود الظاهر لا يعكس بالضرورة غياب الاهتمام بالانتخابات، بل يعبّر عن حالة ترقّب واسعة، في ظلّ تعدّد السيناريوهات المطروحة حول مصير هذا الاستحقاق، والتي باتت محور نقاش سياسي وإعلامي في الكواليس.


السيناريو الأوّل، والأكثر دستورية، يتمثّل بإجراء الانتخابات في موعدها المحدّد في الأوّل من أيّار، وفق القانون الحالي ومن دون أي تعديل أو تمديد. ورغم ضعف الاستعدادات الظاهرة، يبقى هذا الخيار قائمًا بقوّة من الناحية القانونية، ويُشكّل اختبارًا مباشرًا لجدّية القوى السياسية في احترام المهل الدستورية وعدم ترحيل الاستحقاقات.


السيناريو الثاني هو التأجيل التقني إلى شهر تموز، بذريعة معالجة معضلة مشاركة المغتربين. ويُروَّج لهذا الخيار على أساس أنّ هذا التأجيل القصير يتيح للمغتربين التواجد في لبنان والمشاركة في الاقتراع داخل الدوائر الانتخابية، بما يسمح لهم بالتصويت لـ128 نائبًا بدل الاكتفاء بالنواب الستّة المخصّصين للاغتراب. ويؤيّد هذا الطرح الغالبية الساحقة من القوى السياسية، باعتباره يضمن مشاركة أوسع وأكبر عدد ممكن من اللبنانيين المغتربين في هذا الاستحقاق.


أمّا السيناريو الثالث، فيتحدّث عن تأجيل الانتخابات لسنتين، وهو خيار تعمل عليه بعض القوى السياسية التي ترى فيه فرصة استراتيجية. فتمديد ولاية المجلس الحالي لعامين يتيح خوض معركة رئاسة الجمهورية في مجلس نيابي مختلف التوازنات، ويمنح هذه القوى هامشًا إضافيًا لإعادة ترتيب أوراقها وتحالفاتها، في ظلّ التحوّلات الداخلية والإقليمية المتسارعة.


السيناريو الرابع هو التأجيل لأربع سنوات كاملة، وقد بات هذا الطرح اليوم شبه مستبعد. فالكلفة السياسية والدستورية لهذا الخيار مرتفعة جدًا، داخليًا وخارجيًا، ولا يبدو أنّ الظروف الراهنة تسمح بتمديد طويل الأمد من دون انفجار سياسي أو ضغط دولي مباشر يعيد خلط الأوراق.


يبقى السيناريو الأخير مرتبطًا بتطوّر أمني كبير، يتمثّل بإمكان حصول ضربة عسكرية إسرائيلية واسعة وتداعياتها. ففي حال توسّعت الحرب وخرجت الأوضاع الأمنية عن السيطرة، قد يُفرض تأجيل الاستحقاق إلى أجل غير مسمّى، خارج الحسابات السياسية التقليدية. إلّا أنّ هذا السيناريو، وفق معظم التقديرات، لا يزال مستبعدًا في المرحلة الحالية.


في هذا السياق، تؤكّد مصادر قريبة من رئيس مجلس النواب نبيه بري لمنصّة "بالعربي" أنّ كل ما يُتداول عن سيناريوهات التأجيل لا يتعدّى كونه تمنّيات ورهانات سياسية، مشدّدة على أنّ بري مصمّم على إجراء الانتخابات في الأوّل من أيّار، وفق القانون الحالي، ومن دون أي تمديد، لا تقني ولا سياسي. وتلفت هذه المصادر إلى أنّ العامل الوحيد القادر على تعطيل هذا الاستحقاق هو تطوّر أمني استثنائي، كضربة إسرائيلية كبيرة من إسرائيل، وهو احتمال تعتبره عين التينة غير مرجّح في الوقت الحاضر.


وعليه، وبين هدوء التحضيرات وضجيج السيناريوهات، يبقى الثابت الوحيد حتى الآن هو موعد الأوّل من أيّار. ومع أنّ الأحزاب لم تُطلق بعد ماكيناتها الانتخابية، إلّا أنّ المؤشرات السياسية الراهنة تفيد بأنّ الاستحقاق ما زال في مساره الدستوري، وأنّ أي تغيير في هذا المسار لن يكون سياسيًا بحتًا، بل مرتبطًا بحدث كبير يفرض نفسه من خارج الحسابات التقليدية. وحتى إشعار آخر، تبقى الانتخابات قائمة… في الأوّل من أيّار.