August 26, 2026   Beirut  °C
سياسة

إبراهيم بيرم: التحول في خطاب الحزب فرضته تداعيات حرب الإسناد

من "أميركا الشيطان الأكبر" إلى فتح الباب أمام التواصل مع واشنطن، ومن قتال "الإرهابيين والتكفيريين" في سوريا إلى "الأخ أحمد الشرع"... ليست التحولات في خطاب حزب الله عابرة، ولا تبدو مجرد تبديل في المفردات. فبين لغة الأمس ومواقف اليوم، مسافة صنعتها سنوات من الحرب، وتبدلات كبرى في موازين القوى، وواقع إقليمي جديد فرض على الحزب إعادة النظر في طريقة مخاطبة خصومه والتعامل معهم.


لكن اللافت لا يقف عند حدود خطاب الحزب. فبين كلام نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي عن أن أبواب التواصل مع واشنطن ليست موصدة، وحديث المبعوث الأميركي توم براك عن استحالة تجاهل حزب الله وإيران في أي تسوية لبنانية، ثم مسارعة الطرفين إلى التوضيح، يبرز سؤال يتجاوز التصريحات العلنية: هل خرج شيء مما يدور خلف الأبواب المغلقة إلى العلن؟


وإذا كانت الدولة اللبنانية تخوض مفاوضاتها مع إسرائيل باعتبارها المسار الرسمي نحو التسوية، فإن تزامن هذه الإشارات يفتح الباب أمام سؤال أكثر حساسية: هل ترسم التسوية فعلًا على الطاولة الرسمية، أم أن مسارات أخرى تتحرك في الكواليس وقد تكون أبعد تأثيرًا مما يعلن؟


وعن تلك المستجدات في مواقف مسؤولي الحزب، تحدث الكاتب والصحافي في جريدة "النهار" إبراهيم بيرم، فاعتبر أن التحول الذي طرأ أخيرًا على خطاب حزب الله، سواء تجاه الإدارة السورية الجديدة أو الولايات المتحدة الأميركية، هو "تحول طبيعي" فرضته تداعيات حرب 2024 وما أعقب عملية "طوفان الأقصى" من تحولات ميدانية وسياسية في المنطقة.


وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن حديث الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، عن الاستعداد لمد اليد والتحاور مع الإدارة السورية الجديدة، وصولًا إلى وصف النائب السابق نواف الموسوي للرئيس السوري أحمد الشرع بـ"الأخ أحمد الشرع"، إضافة إلى كلام عضو المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي عن أن باب التواصل مع الولايات المتحدة ليس موصدًا، يعكس رغبة الحزب في تقديم وجه آخر في المرحلة الحالية والمقبلة، ولا سيما في علاقته بسوريا والولايات المتحدة.


واعتبر بيرم أن الانفتاح على سوريا ليس مستغربًا كثيرًا، نظرًا إلى الجغرافيا والتاريخ والعلاقات القائمة، إضافة إلى وجود قواسم مشتركة في العلاقة مع تركيا، لكنه أشار إلى أن "الأغرب" هو حديث قماطي عن إمكان فتح قنوات تواصل مع واشنطن.


وكشف أن الحزب، بحسب ما نقله عنه، لا يزال يعتبر أن هذا الأمر لم يتحول إلى مسار فعلي، وأن الحديث المطروح حتى الآن يبقى موقفًا عامًّا قد لا ينتج عنه شيء في المستقبل القريب، إلا أن المؤكد هو وجود تحول في خطاب الحزب، فيما لا تزال نتائجه غير محسومة حتى بالنسبة إليه.


وربط هذا التحول بما يعتبره تصورًا لتسوية في المنطقة، مشيرًا إلى أن حركة حماس جلست للمرة الأولى مع الأميركيين في القاهرة، وأن النقاشات تناولت حل مسألة السلاح في غزة. واعتبر أن حزب الله قد يكون جزءًا من هذا التصور، بالتوازي مع المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وأن الحزب ربما يعد نفسه لهذا الاحتمال، لكن النتائج ليست بالضرورة قريبة أو عاجلة.


وفي هذا السياق، لفت بيرم إلى وجود مقدمات من الجانب الأميركي أيضًا، مشيرًا إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن محاولة التواصل مع حزب الله والاستعداد للحديث معه. واعتبر أن الحزب لا يستطيع أن يعزل نفسه عن المناخ الإقليمي العام، وبالتالي فإن قوله إنه مستعد للحديث يأتي في سياق أوسع، مشددًا على أن الوصول إلى نتائج فعلية يحتاج إلى وقت وإلى إقناع إسرائيل أولًا.


وأشار إلى أن المبعوث الأميركي توم براك، في حديثه عن استحالة الوصول إلى حل في لبنان من دون التعامل مع واقع حزب الله وإيران، يعكس بدوره جانبًا من هذا المناخ. واعتبر أن الولايات المتحدة معروفة ببراغماتيتها وقدرتها على استخدام سياسة العصا والجزرة، أي ممارسة الضغط من جهة، وفتح باب الحوار من جهة أخرى، حتى مع الخصوم والأعداء.


وفي المقابل، اعتبر بيرم أن الجانب اللافت في المسألة لا يكمن في الموقف الأميركي بقدر ما يكمن في التحول لدى حزب الله وحركة حماس، معتبرًا أن ذلك يأتي في سياق تداعيات "طوفان الأقصى" والحرب التي تلته، والتي لم تنته نتائجها وتداعياتها بعد. وأشار إلى أن جميع الأطراف تحاول إيجاد مخرج، بما فيها الولايات المتحدة والحزب وإيران وحتى إسرائيل، رغم استمرار الصراع والمواجهات.


ولفت إلى أن الولايات المتحدة نفسها تواجه صعوبة في تحقيق "إنجاز ضخم" في المنطقة، وخصوصًا في ظل الحرب مع إيران، معتبرًا أن فرض حل على طهران ليس أمرًا سهلًا، حتى مع الضربات التي تعرضت لها، ومشيرًا إلى أن الوضع الإيراني لا يزال متماسكًا. وبالتالي، فإن ما يجري حاليًّا، وفق بيرم، لا يتجاوز كونه "مقدمات واختبارات" سياسية، فيما تحتاج الثمار والنتائج إلى وقت طويل.


وعن كلام قماطي والتوضيح الذي صدر لاحقًا عن حزب الله، اعتبر بيرم أن الموقف الأميركي تجاه الحزب معروف منذ سنوات، إذ تصنفه واشنطن منظمة إرهابية وتتعامل معه على هذا الأساس، لكنه أشار إلى أن السياسة الأميركية قادرة، في الوقت نفسه، على الجمع بين الضغط وفتح قنوات التواصل، وهو أمر لا يراه مستغربًا في السلوك الأميركي.


وفي ما يتعلق بالدولة اللبنانية، اعتبر بيرم أن المسار التفاوضي الذي سلكته السلطة اللبنانية جاء أساسًا بناء على الورقة التي قدمها توم براك، وبالتالي فإن المسؤولين اللبنانيين "عليهم تحمل النتيجة". واعتبر أن هذا المسار، في صيغته الحالية، لن يؤدي إلى نتيجة في المدى القريب، داعيًا إلى مقاربة واقعية لدور لبنان في الصراع الإقليمي، وعدم تضخيم قدرة الدولة اللبنانية على الاعتراض على المسارات التي ترسمها الولايات المتحدة، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالصراع في المنطقة والإقليم.


وأمام هذا المشهد المتبدل، تفرض التحولات اللافتة في خطاب حزب الله سؤالًا يتجاوز حدود التصريحات نفسها: هل نحن أمام مواقف عابرة فرضتها ضرورات المرحلة، أم أن هذا التبدل هو، في جانب أساسي منه، نتاج ثلاث سنوات من الحرب التي أعقبت "طوفان الأقصى"، وما حملته من تحولات وضغوط وتبدلات في موازين القوى؟


فبين خطاب الأمس ولغة اليوم، يبدو أن تداعيات هذه الحرب لم تعد تقتصر على الميدان، بل بدأت تترك بصماتها على الخطاب السياسي وخيارات الأطراف، وفي مقدمها حزب الله.